تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
الَّذي زاد على تسبيحه لكان عند ذلك يكفّ لسانه حتّى عن جملة من مهمّاته وما نطق به في فتراته كان يعدّه ويحسبه ويوازنه بتسبيحاته حتّى لا يفضل عليه أجرة نسخه ، فيا عجبا لمن يحاسب نفسه ويحتاط خوفا على قيراط يفوته في الأجرة على النسخ ولا يحتاط خوفا من فوت الفردوس الأعلى ونعيمه ، ما هذه إلا مصيبة عظيمة لمن تفكَّر فيها وقد دفعنا إلى أمر إن شككنا فيه كنّا من الكفرة الجاحدين وإن صدقنا به كنّا من الحمقى المغرورين فما هذه أعمال من يصدّق بما جاء به القرآن وإنّا نبرأ إلى الله أن نكون من أهل الكفر ، فسبحان من صدّنا عن التنّبه واليقين مع هذا البيان وما أجدر من يقدر على تسليط مثل هذه الغفلة والغرور على القلوب أن يخشى ويتّقي ولا يغترّ به اتّكالا على أباطيل المنى وتعاليل الشيطان والهوى . * ( بيان أصناف المغترّين وأقسام فرق كلّ صنف من الأصناف ) * الصنف الأوّل أهل العلم والمغترّون منهم فرق : ففرقة منهم أحكموا العلوم الشرعيّة والعقليّة وتعمّقوا فيها واشتغلوا بها وأهملوا تفقّد الجوارح وحفظها عن المعاصي وإلزامها الطاعات ، واغترّوا بعلمهم ، وظنّوا أنّهم عند الله بمكان ، وأنّهم قد بلغوا من العلم مبلغا لا يعذّب الله مثلهم ، بل يقبل في الخلق شفاعتهم ، وأنّه لا يطالبهم بذنوبهم وخطاياهم لكرامتهم على الله وهم مغرورون ، فإنّهم لو نظروا بعين البصيرة علموا أنّ العلم علمان علم معاملة وعلم مكاشفة وهو العلم بالله تعالى وبصفاته المسمّى بالعادة علم المعرفة ، فأمّا العلم بالمعاملة كمعرفة الحلال والحرام ومعرفة أخلاق النفس المذمومة والمحمودة وكيفيّة علاجها والفرار منها فهي علم لا تراد إلا للعمل ولولا الحاجة إلى العمل لم يكن لهذه العلوم قيمة ، وكلّ علم يراد للعمل فلا قيمة له دون العمل ، فمثال هؤلاء كمريض به علَّة لا يزيلها إلا دواء مركب من أخلاط كثيرة لا يعرفها إلا حذّاق الأطباء فيسعى في طلب الطبيب بعد أن هاجر عن وطنه حتّى عثر على طبيب حاذق فعلَّمه الدّواء وفصّل له الأخلاط وأنواعها ومقاديرها ومعادنها الَّتي منها تجتلب وعلَّمه كيفيّة دقّ كلّ واحد منها وكيفيّة الخلط والعجن ، فتعلَّم ذلك منه فكتب منه نسخة حسنة بخطَّ حسن ورجع
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 309 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري