والأمراض والعلل والفقر والجوع على جملة من عباده في الدّنيا وهو قادر على إزالتها فمن هذه سنّته في عباده وقد خوّفني عقابه فكيف لا أخافه وأغترّ به ، فالخوف والرّجاء قائدان وسائقان يبعثان على العمل ، فما لا يبعث على العمل فهو تمنّ وغرور ، ورجاء كافّة الخلق هو سبب فتورهم وسبب إقبالهم على الدّنيا وسبب إعراضهم عن الله وإهمالهم السعي للآخرة فذاك غرور وقد أخبر النبيّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وذكر أنّ الغرور سيغلب على آخر هذه الأمّة ( 1 ) وقد كان ما وعد به صلَّى الله عليه وآله وسلَّم . فقد كان الناس في الأعصار الأول يواظبون على العبادات ويؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنّهم إلى ربّهم راجعون ، يخافون على أنفسهم وهو طول اللَّيل والنهار في طاعة الله يبالغون في التقوى والحذر من الشهوات والشبهات ويبكون على أنفسهم في الخلوات ، وأمّا الآن فترى الناس آمنين مسرورين مطمئنّين غير خائفين ، مع إكبابهم على المعاصي وانهماكهم في الدّنيا وإعراضهم عن الله تعالى ، زاعمين أنّا واثقون بكرم الله وفضله وراجون لعفوه ومغفرته كأنّهم يزعمون أنّهم عرفوا من كرم الله وفضله ما لم يعرفه الأنبياء والسلف الصالحون فإن كان هذا الأمر يدرك بالمنى وينال بالهوينا فعلى ما ذا كان بكاء أولئك وخوفهم وحزنهم وقد ذكرنا تحقيق هذه الأمور في كتاب الرّجاء والخوف . وقد قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم فيما رواه معقل بن يسار : « يأتي على الناس زمان يخلق فيه القرآن في قلوب الرّجال كما تخلق الثياب على الأبدان ، أمرهم كلَّه يكون طمعا لا خوف معه ، إن أحسن أحدهم قال : يتقبّل منّي ، وإن أساء قال : يغفر لي » ( 2 ) فأخبر أنّهم يضعون الطمع موضع الخوف لجهلهم بتخويفات القرآن وما فيه . وبمثله أخبر عن النصارى إذ قال : « فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب » ( أي علماء ) « يأخذون عرض هذا الأدنى » ( أي شهواتهم من الدّنيا حلالا كان أو حراما ) « ويقولون سيغفر
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 307
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٠٧
هامش
( 1 ) في حديث أبي ثعلبة وقد تقدم .
( 2 ) قال العراقي : أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث ابن عباس بنحوه بسند فيه جهالة ، ولم أره من حديث معقل .