وقال صلَّى الله عليه وآله وسلَّم : « شرّ الناس العلماء السوء » ( 1 ) وقال صلَّى الله عليه وآله وسلَّم : « أشدّ الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه » ( 2 ) فهذا وأمثاله ممّا أوردناه في كتاب العلم في باب علامة علماء الآخرة أكثر من أن يحصى إلا أنّ هذا فيما لا توافق هوى العالم الفاجر وما ورد في فضل العلم يوافقه فيميل الشيطان قلبه إلى ما يهواه وذلك عين الغرور فإنّه إن نظر بالبصيرة فمثاله ما ذكرناه وإن نظر بعين الإيمان فالَّذي أخبره بفضيلة العلم هو الَّذي أخبره بذمّ العلماء السوء وأنّ حالهم عند الله تعالى أشدّ من حال الجهّال فبعد ذلك اعتقاده أنّه على خير مع تأكَّد حجّة الله عليه غاية الغرور . وأمّا الَّذي يدّعي علوم المكاشفة كالعلم بالله وصفاته وأسمائه وهو مع ذلك يهمل العمل ويضيّع أمر الله تعالى وحدوده فغروره أشدّ ، ومثاله كمن أراد خدمة ملك فعرف الملك وعرف أخلاقه وأوصافه ولونه وشكله وطوله وعرضه وعادته ومجلسه ولم يتعرّف ما يحبّه ويكرهه وما يغضب عليه وما يرضى به أو عرف ذلك إلا أنّه قصد خدمته وهو ملابس بجميع ما يغضب به وعاطل عن جميع ما يحبّه من زيّ وهيئة وكلام وحركة وسكون ، فورد على الملك وهو يريد التقرّب منه والاختصاص به متلطَّخا بجميع ما يكرهه الملك ، عاطلا عن جميع ما يحبّه ، متوسّلا إليه بمعرفته له ولنسبه واسمه وبلده وشكله وصورته وعادته في سياسة غلمانه ومعاملة رعيّته ، فهذا مغرور جدّا إذ لو ترك جميع ما عرفه واشتغل بمعرفته فقطَّ ومعرفة ما يحبّه ويكرهه لكان ذلك أقرب إلى نيله المراد من قربه والاختصاص به ، بل تقصيره في التقوى واتّباعه للشهوات يدلّ على أنّه لم ينكشف له من معرفة الله تعالى إلا الأسامي دون المعاني ، إذ لو عرف الله تعالى حقّ معرفته لخشيه واتّقاه قال الله تعالى : « إنّما يخشى الله من عباده العلماء » ( 3 ) وفاتحة الزّبور « رأس الحكمة خشية الله » . وقال ابن مسعود : « كفى بخشية الله
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 311
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣١١
هامش
( 1 ) أخرجه البزار من حديث معاذ هكذا « شرار الناس شرار العلماء في الناس » باسناد حسن كما في الجامع الصغير وقد تقدم .
( 2 ) أخرجه الطبراني في الصغير وفيه عثمان البري قال الفلاس : صدوق لكنه كثير الغلط وضعفه أحمد والنسائي والدار قطني كما في مجمع الزوائد ج 1 ص 185 .
( 3 ) فاطر : 28 .