نكح ولم يجامع أو جامع ولم ينزل فهو معتوه ، فكذلك من رجا رحمة الله وهو لم يؤمن أو آمن ولم يعمل صالحا أو عمل ولم يترك المعاصي فهو مغرور ، وكما أنّه إذا نكح ووطئ وأنزل بقي متردّدا في الولد يخاف ويرجو فضل الله في خلق الولد ودفع الآفات عن الرّحم وعن الأمّ إلى أن يتمّ فهو كيّس فكذلك إذا آمن وعمل الصالحات وترك السيّئات وبقي متردّدا بين الخوف والرّجاء يخاف أن لا يقبل منه وأن لا يثاب عليه وأن يختم له بالسوء ويرجو من فضل الله أن يثبته بالقول الثابت في الحياة الدّنيا وفي الآخرة ويحفظ دينه من صواعق سكرات الموت حتّى يموت على التوحيد ويحرس قلبه عن الميل إلى الشهوات بقيّة عمره حتّى لا يميل إلى المعاصي فهو إذن كيّس ، ومن عدا هؤلاء فهم المغرورون بالله وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضلّ سبيلا ولتعلمنّ نبأه بعد حين ، وعند ذلك يقولون كما أخبر الله عنهم : « ربّنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنّا موقنون » ( 1 ) أي علمنا أنّه كما لا يولد ولد إلا بوقاع ونكاح ، ولا ينبت زرع إلا بحراثة وبثّ بذر ، فكذلك لا يحصل في الآخرة ثواب وأجر إلا بعمل صالح ، فارجعنا نعمل صالحا فقد علمنا الآن صدقك في قولك : « وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأنّ سعيه سوف يرى » ( 2 ) و « كلَّما القي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير » ( 3 ) أي ألم نسمعكم سنّة الله في عباده وأنّه « توفّى كلّ نفس ما كسبت » ؟ وأنّ : « كلّ نفس بما كسبت رهينة » فما الَّذي غرّكم بالله بعد أن سمعتم وعقلتم ؟ « قالوا لو كنّا نسمع أو نعقل ما كنّا في أصحاب السعير . فاعترفوا بذنبهم فسقحا لأصحاب السعير » ( 4 ) . فإن قلت : فأين مظنّة الرّجاء وموضعه المحمود ؟ فاعلم أنّه محمود في موضعين : أحدهما في حقّ العاصي المنهمك إذا خطرت له التوبة فقال له الشيطان : وأنّى تقبل توبتك ؟ فيقنطه من رحمة الله فيجب عند هذا أن يقمع القنوط بالرجاء ويتذكَّر
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 305
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٠٥
هامش
( 1 ) السجدة : 12 .
( 2 ) النجم : 40 .
( 3 ) الملك : 8 .
( 4 ) الملك : 10 .