أنّ الله كريم يقبل التوبة عن عباده وأنّ التوبة طاعة تكفّر الذّنوب قال تعالى : « قل يا عبادي الَّذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إنَّ الله يغفر الذّنوب جميعا إنّه هو الغفور الرحيم . وأنيبوا إلى ربّكم وأسلموا له » ( 1 ) أمرهم بالإنابة وقال : « وإنّي لغفّار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثمَّ اهتدى » ( 2 ) فإذا توقّع المغفرة مع التوبة فهو راج وإن توقّع المغفرة مع الإصرار فهو مغرور ، كما أنّ من ضاق عليه وقت الجمعة وهو في السوق فخطر له أن يسعى إلى الجمعة فقال له الشيطان : إنّك لا تدرك الجمعة فأقم على موضعك فكذّب الشيطان وقام يعدو وهو يرجو إدراك الجمعة فهو راج وإن استمرّ على التجارة وأخذ يرجو تأخير الإمام الصلاة لأجله إلى وسط الوقت أو لأجل غيره أو لسبب من الأسباب الَّتي لا يعرفه فهو مغرور لا محالة . والثاني أن تفتر نفسه من فضائل الأعمال ويقتصر على الفرائض فيرجّى نفسه نعيم الله تعالى وما وعد الله به الصالحين حتّى ينبعث من الرّجاء نشاط العبادة فيقبل على الفضائل ويتذكَّر قوله تعالى : « قد أفلح المؤمنون * الَّذين هم في صلاتهم خاشعون - إلى قوله - أولئك هم الوارثون * الَّذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون » ( 3 ) فالرّجاء الأوّل يقمع القنوط المانع من التوبة والرّجاء الثاني يقمع الفتور المانع من النشاط والتشمّر ، فكلّ توقّع حثّ على توبة أو على تشمّر في العبادة فهو رجاء وكلّ توقّع أوجب فتورا في العبادة وركونا إلى البطالة فهو غرّة كما إذا خطر له أن يترك الذنب ويشتغل بالعمل فيقول له الشيطان : مالك وإيذاء نفسك وتعذيبها ولك ربّ كريم غفور رحيم فيفتر به عن التوبة والعبادة فهي الغرّة وعند هذا واجب على العبد أن يستعمل الخوف فيخوّف نفسه بغضب الله وعظيم عقابه ويقول : إنّه مع أنّه غافر الذّنب وقابل التوب شديد العقاب . وإنّه مع أنّه كريم خلَّد الكفار في النار أبد الآباد مع أنّه لم يضرّه كفرهم بل سلَّط العذاب والمحن
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 306
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٠٦
هامش
( 1 ) الزمر : 53 و 54 .
( 2 ) طه : 82 .
( 3 ) المؤمنون 1 إلى 12 .