مغفرته ورحمته » وقد قال : « أنا عند ظنّ عبدي بي فليظنّ بي خيرا » [ 1 ] فما هذا إلا كلام صحيح مقبول الظاهر في القلوب . فاعلم أنّ الشيطان لا يغوي الإنسان إلا بكلام مقبول الظاهر مردود الباطن ، ولولا حسن ظاهره لما انخدعت به القلوب ولكنّ النبيّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم كشف ذلك فقال : « الكيّس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله » ( 1 ) وهذا هو التمنّي على الله غيّر الشيطان اسمه فسمّاه رجاء حتّى خدع به الجهّال ، وقد شرح الله تعالى الرّجاء فقال : « إنّ الَّذين آمنوا والَّذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله » ( 2 ) يعني أنّ الرجاء بهم يليق وهذا لأنّه ذكر أنّ ثواب الآخرة أجر وجزاء على الأعمال قال تعالى : « جزاءً بما كانوا يعملون » ( 3 ) وقال تعالى : « إنّما توفّون أجوركم يوم القيامة » ( 4 ) أفترى أنّ من استؤجر على إصلاح أوان وشرط له أجرة عليها وكان الشارط كريما يفي بالوعد مهما وعد ولا يخلف بل يزيده فجاء الأجير وكسر الأواني وأفسد جميعها ثمّ جلس ينتظر الأجر ويزعم أنّ المستأجر كريم أفيراه العقلاء في انتظاره متمنّيا مغرورا أو راجيا ، وهذا للجهل بالفرق بين الرّجاء والغرّة ، فإنّ من رجا شيئا طلبه ومن خاف شيئا هرب منه [ 2 ] ، وكما أنّ الَّذي يرجو في الدّنيا ولدا وهو بعد لم ينكح أو
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 304
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٠٤
هامش
( 1 ) رواه ابن ماجة في السنن تحت رقم 4260 كما تقدم .
( 2 ) البقرة : 216 .
( 3 ) الواقعة : 24 .
( 4 ) آل عمران : 183 .
[ 1 ] أخرجه الطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الحلية من حديث واثلة بن الأسقع بسند صحيح هكذا « ان الله يقول : أنا عند ظن عبدي بي ان خيرا فخير وان شرا فشر » .
[ 2 ] في الكافي مسندا عن أبي عبد الله عليه السّلام قيل له : قوم يعملون بالمعاصي ويقولون نرجو فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم الموت فقال : « هؤلاء قوم يترجحون في الأماني ، كذبوا ليسوا براجين ، ان من رجا شيئا طلبه ومن خاف من شيء هرب منه »
. وفيه أيضا قيل له عليه السّلام : ان قوما من مواليك يلمون بالمعاصي ويقولون نرجو ، فقال : « كذبوا ليسوا لنا بموال ، أولئك قوم ترجّحت بهم الأماني ، من رجا شيئا عمل له ومن خاف من شيء هرب منه » .