« وأمّا إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه * فيقول ربّي أهانن - فأجاب الله عن ذلك - « كلا » ( 1 ) بيّن أنّ ذلك غرور ، قيل : كذّبهما جميعا بقوله : « كلا » يقول : ليس هذا بكرامتي ولا هذا بهواني ولكن الكريم من أكرمته بطاعتي غنيّا كان أو فقيرا ، والمهان من أهنته بمعصيتي غنيّا كان أو فقيرا وهذا الغرور علاجه معرفة دلائل الكرامة والهوان ، إمّا بالبصيرة ، وإمّا بالتقليد ، أمّا بالبصيرة فبأن يعرف وجه كون الالتفات إلى شهوات الدّنيا مبعدا عن الله تعالى ، ووجه كون التباعد عنها مقرّبا إلى الله تعالى ، ويدرك ذلك بالإلهام في منازل العارفين والأولياء ، وشرحه في جملة علوم المكاشفة ولا يليق بعلم المعاملة . وأمّا معرفته بطريق التقليد والتصديق فهو أن يؤمن بكتاب الله تعالى ويصدّق رسوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ، وقد قال تعالى : « أيحسبون أنّما نمدُّهم به من مال وبنين . نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون » ( 2 ) . وقال تعالى : « سنستدرجهم من حيث لا يعلمون » ( 3 ) وقال : « فتحنا عليهم أبواب كلِّ شيء حتّى إذا فرحوا بما أُوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون » ( 4 ) . وفي تفسير قوله : « سنستدرجهم من حيث لا يعلمون » إنّهم كلَّما أحدثوا ذنبا أحدثنا لهم نعمة ليزيد غرورهم . وقال تعالى : « إنّما نملي لهم ليزدادوا إثما » ( 5 ) وقال تعالى : « ولا تحسبنَّ الله غافلا عمّا يعمل الظَّالمون . إنّما نؤخّرهم ليوم تشخص فيه الأبصار . مهطعين مقنعي رؤسهم لا يرتدّ إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء » ( 6 ) إلى غير ذلك ممّا ورد في كتاب الله تعالى وسنّة رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ، فمن آمن به خلص ونجا من هذا الغرور فإنّ منشأ هذا الغرور الجهل بالله وبصفاته ، فإنّ من عرفه لا يأمن مكره ولا يغترّ بأمثال هذه الخيالات الفاسدة وينظر إلى فرعون وقارون وإلى ملوك الأرض وكيف أحسن الله إليهم ابتداء ثمّ دمّرهم تدميرا ، وقد حذّر الله مكره واستدراجه فقال : « فلا
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 301
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٠١
هامش
( 1 ) الفجر : 15 إلى 18 .
( 2 ) المؤمنون : 58 .
( 3 ) الأعراف : 182 .
( 4 ) الانعام : 44 .
( 5 ) آل عمران : 173 .
( 6 ) إبراهيم : 45 .