وولد هو قرّة عينه وقد وكَّل الغلام بالولد ليراقبه وأمره بأن يضربه مهما أساء أدبه ، واشتغل بما لا يليق به ويغضب عليه ، فإن كان الغلام مطيعا محبّا لمولاه فلا يجد بدّا من أن يغضب مهما رأى ولده قد أساء الأدب ، وإنّما يغضب عليه لمولاه ولأنّه يريد التقرّب بامتثال أمره إليه ، ولأنّه جرى من ولده ما يكره مولاه فيضرب ولده ويغضب عليه من غير تكبّر له عليه بل هو متواضع له يرى قدره عند مولاه فوق قدر نفسه لأنّ الولد أعزّ لا محالة من الغلام فإذن ليس من ضرورة الغضب التكبّر وعدم التواضع ، فكذلك يمكنك أن تنظر إلى المبتدع والفاسق وتظنّ أنّه ربما كان قدرهما عند الله في الآخرة أعظم لما سبق لهما من الحسني في الأزل ولما سبق لك من سوء القضاء في الأزل وأنت غافل عنه ومع ذلك فتغضب بحكم الأمر محبّة لمولاك إذا جرى ما يكرهه مع التواضع لمن يجوز أن يكون عند الله أقرب منك في الآخرة فهكذا يكون بعض العلماء الأكياس فينضمّ إليه الخوف والتواضع ، وأمّا المغرور فإنّه يتكبّر ويرجو لنفسه أكثر ممّا يرجوه لغيره مع جهله بالعاقبة وذلك غاية الغرور فهذا سبيل التواضع لمن عصى الله أو اعتقد البدعة مع الغضب عليه ومجانبته بحكم الأمر . السّبب السّابع التكبّر بالورع والعبادة وذلك أيضا فتنة عظيمة على العبّاد ، وسبيله أن يلزم قلبه التواضع لسائر العباد وهو أن يعلم أنّ من يتقدّم عليه بالعلم لا ينبغي أن يتكبّر عليه كيف ما كان لما عرفه من فضيلة العلم وقد قال الله تعالى « هل يستوي الَّذين يعلمون والَّذين لا يعلمون » ( 1 ) وقال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم : « فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي » ( 2 ) إلى غير ذلك ممّا ورد في فضل العالم ، فإن قال : العابد ذلك لعالم العامل بعلمه وهذا عالم فاجر ؟ فيقال له : أما علمت أنّ الحسنات يذهبن السيئات وكما أنّ العلم يمكن أن يكون حجّة على العالم فيمكن أن يكون وسيلة له وكفّارة لذنوبه وكلّ واحد منهما ممكن ، وقد وردت
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 265
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٦٥
هامش
( 1 ) الزمر : 9 .
( 2 ) أخرجه الترمذي ج 10 ص 157 من حديث أبي أمامة الباهلي وقد تقدم في كتاب العلم .