اللَّيل والنهار لا يفترون » ( 1 ) « وهم من خشيته مشفقون » ( 2 ) فمتى زال الإشفاق والحذر ممّا سبق به القضاء في الأزل وينكشف عند خاتمة الأجل غلب الأمن من مكر الله وذلك يوجب الكبر وهو سبب الهلاك ، فالكبر دليل الأمن والأمن مهلك ، والتواضع دليل الخوف وهو مسعد ، فإذن ما يفسده العابد بإضمار الكبر واحتقار الخلق والنّظر إليهم بعين الاستصغار أكثر ممّا يصلحه بظاهر الأعمال ، فهذه معارف بها يزال داء الكبر عن القلب لا غير ، إلا أنّ النّفس بعد هذه المعرفة قد تضمر التواضع وتدعى البراءة من الكبر وهي كاذبة فإذا وقعت الواقعة عادت النّفس إلى طبعها ونسيت وعدها فعن هذا لا ينبغي أن يكتفي في المداواة بمجرّد المعرفة بل ينبغي أن يكمل المعرفة بالعمل ويجرّب نفسه بأعمال المتواضعين في مواقع هيجان الكبر من النّفس وبيانه أن يمتحن النّفس بخمس امتحانات هي أدلَّة على استخراج ما في الباطن وإن كانت الامتحانات كثيرة . الامتحان الأوّل أن يناظر في مسألة مع واحد من أقرانه فإن ظهر شيء من الحقّ على لسان صاحبه فثقل عليه قبوله والانقياد له والاعتراف به والشكر له على تنبيهه وتعريفه وإخراجه الحقّ فذلك يدلّ على أنّ فيه كبرا دفينا فليتّق الله فيه وليشتغل بعلاجه إمّا من حيث العلم فبأن يذكَّر نفسه خسّة نفسه وخطر عاقبته وأنّ الكبر لا يليق إلا بالله تعالى ، وإمّا من حيث العمل فبأن يكلَّف نفسه ما يثقل عليه من الاعتراف بالحقّ فيطلق اللَّسان بالحمد والثّناء ويقرّ على نفسه بالعجز ويشكره على الاستفادة ويقول : ما أحسن ما فطنت له وقد كنت غافلا عنه فجزاك الله خيرا كما نبّهتني له فالحكمة ضالَّة المؤمن فإذا وجدها ينبغي أن يشكر من دلَّه عليها ، فإذا واظب على ذلك مرّات متوالية صار ذلك له طبعا وسقط ثقل الحقّ عن قلبه وطاب له قبوله ، ومهما ثقل عليه الثناء على أقرانه بما فيهم ففيه كبر فإن كان ذلك لا يثقل عليه في الخلوة ويثقل في الملأ فليس فيه كبر وإنّما فيه رياء فليعالج الرّياء بما ذكرناه من قطع الطمع عن النّاس ويذكَّر القلب بأن منفعته
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 268
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٦٨
هامش
( 1 ) الأنبياء : 21 .
( 2 ) الأنبياء : 29 .