من خطر غيره كما أنّ قدره أعظم من قدر غيره فهذا بذلك ، وهو كالملك المخاطر بروحه في ملكه لكثرة أعدائه فإنّه إذا أخذ وقهر اشتهى أن يكون قد كان فقيرا ، فكم من عالم يشتهي في الآخرة سلامة الجهّال والعياذ بالله فهذا الخطر يمنع التكبّر لأنّه إن كان من أهل النّار فالخنزير أفضل منه فكيف يتكبّر من هذا حاله ، فلا ينبغي أن يكون العالم أكبر عند نفسه من الصحابة ؟ وقد كان بعضهم يقول :
يا ليتني لم تلدني أمّي ، ويأخذ الآخر تبنة من الأرض ويقول : يا ليتني كنت هذه التبنة ، ويقول الآخر : يا ليتني كنت طيرا ، كلّ ذلك خوفا من خطر العاقبة فكانوا يرون أنفسهم أسوأ حالا من الطير ومن التراب ومهما أطال فكره في الخطر الَّذي هو بصدده زال بالكلَّية كبره ورأى نفسه كأنّه شرّ الخلق . ومثاله مثال عبد أمره سيّده بأمور فشرع فيها وترك بعضها وأدخل النقصان في بعضها وشكّ في بعضها أنّه هل أدّاها كما يرتضيه مولاه أم لا فأخبر مخبر أنّ مولاه مرسل إليه رسولا يخرجه من كلّ ما هو فيه عريانا ذليلا ويلقيه على بابه في الشمس والحرّ زمانا طويلا حتّى إذا ضاق عليه الأمر وبلغ به الجهد أمر برفع حسابه وفتّش عن جميع أعماله قليلها وكثيرها ثمّ أمر به إلى سجن ضيق وعذاب دائم لا يروح عنه ساعة ، وقد علم أنّ سيّده قد فعل بطوائف من عبيده مثل ذلك وعفى عن بعضهم وهو لا يدري في أيّ الفريقين يكون فإذا تفكَّر في ذلك انكسرت نفسه وذلّ وبطل عزّه وكبره وطهر حزنه وخوفه ولم يتكبّر على أحد من الخلق بل تواضع رجاء أن يكون هو من شفعائه عند نزول العذاب ، فكذلك العالم إذا تفكَّر فيما ضيّعه من أوامر ربّه بجنايات على جوارحه وبذنوب في باطنه من الرّياء والحقد والحسد والعجب والنفاق وغيره وعلم ممّا هو بصدده من الخطر العظيم فارقه كبره لا محالة .
الأمر الثاني أنّ العالم يعلم أنّ الكبر لا يليق إلا بالله جلّ وعزّ وحده وأنّه إذا تكبّر صار ممقوتا عند الله بغيضا وقد أحبّ الله منه أن يتواضع وقال له : إنّ لك عندي قدرا ما لم تر لنفسك قدرا فإن رأيت لنفسك قدرا فلا قدر لك عندي فلا بدّ أن يكلَّف نفسه ما يحبّ مولاه منه فهذا يزيل التكبّر عن قلبه وإن كان يستيقن أنّه لا ذنب له
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 262
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٦٢