مثلا إن تصوّر ذلك وبهذا زال الكبر عن الأنبياء إذ علموا أنّ من نازع الله في رداء الكبرياء قصمه وقد أمرهم بأن يصغّروا أنفسهم حتّى يعظم عند الله محلَّهم ، فهذا أيضا ممّا يبعثه على التواضع لا محالة .
فإن قلت : فكيف يتواضع للفاسق المتظاهر بالفسق وللمبتدع ؟ وكيف يرى نفسه دونهم وهو عالم عابد ؟ وكيف يجهل فضل العلم والعبادة عند الله عزّ وجلّ ؟ وكيف يغنيه أن يخطر بباله خطر العلم وهو يعلم أنّ خطر الفاسق والمبتدع أكثر ؟ فاعلم أنّ ذلك إنّما يمكن بالتفكَّر في خطر الخاتمة ، بل لو نظر إلى كافر لم يمكنه أن يتكبّر عليه إذ يتصوّر أن يسلم الكافر فيختم له بالإيمان ويضلّ هذا العالم فيختم له بالكفر ، والكبير من هو كبير عند الله في الآخرة والكلب والخنزير أعلى رتبة ممّن هو عند الله من أهل النّار وهو لا يدري ذلك ، فالعواقب مطويّة عن العباد ولا ينظر العاقل إلا إلى العاقبة وجميع الفضائل في الدّنيا إنّما تراد للعاقبة فإذن من حقّ العبد أن لا يتكبّر على أحد ، بل إن نظر إلى جاهل قال : إنّه عصى الله بجهل وأنا عصيت الله بعلم فهو أعذر منّي ، وإن نظر إلى عالم فيقول : إنّه قد علم ما لم أعلم فكيف أكون مثله ، وإن نظر إلى كبير هو أكبر منه سنّا قال : هذا قد أطاع الله قبلي فكيف أكون مثله ، وإن نظر إلى صغير قال : إنّي عصيت الله قبله فكيف أكون مثله ، وإن نظر إلى مبتدع أو كافر قال : ما يدريني لعلَّه يختم له بالإسلام ويختم لي بما هو عليه الآن فليس دوام الهداية إليّ كما لم يكن ابتداؤها إليّ فبملاحظة الخاتمة يقدر أن ينفي الكبر عن نفسه وكلّ ذلك بأن يعلم أنّ الكمال في سعادة الآخرة والقرب من الله لا فيما يظهر في الدّنيا ممّا لا بقاء له ولعمري هذا الخطر مشترك بين المتكبّر والمتكبّر عليه ولكن حقّ على كلّ واحد أن يكون مصروف الهمّ إلى نفسه ، مشغول القلب بخوفه لعاقبته لا أن يشتغل بخوف غيره ، فإنّ الشفيق بسوء الظنّ مولع وشفقة كلّ إنسان على نفسه ، فإذا حبس جماعة في جناية وأو عدوا بأن تضرب رقابهم لم يتفرّقوا لتكبّر بعضهم على بعض وإن عمّهم الخطر ، إذ شغل كلّ واحد منهم همّ نفسه عن الالتفات إلى همّ غيره حتّى كان كلّ
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 263
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٦٣