تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧

التكبّر وعن أن ترى نفسك فوق غيرك ، وقد قال وهب بن منبّه : ما تمّ عقل عبد حتّى تكون فيه عشر خصال فعدّ تسعة حتّى بلغ العاشرة فقال : العاشرة وما العاشرة بها ساد مجده وبها علا ذكره أن يرى الناس كلَّهم خيرا منه وإنّما الناس عنده فرقتان فرقة هي أفضل منه وأرفع وفرقة هي شرّ منه وأدنى فهو يتواضع للفرقتين جميعا بقلبه إن رأى من هو خير منه سرّه وتمنّى أن يلحق به . وإن رأى من هو شرّ منه قال : لعلّ هذا ينجو وأهلك أنا فلا يراه شرّا منه خائفا من العاقبة ، ويقول : لعلّ برّ هذا باطن فذلك خير له ، ولا أدري لعلّ فيه خلق كريم بينه وبين الله فيرحمه الله ويتوب عليه ويختم له بأحسن الأعمال وبرّي ظاهر فذلك شرّ لي لا آمن فيما أظهر من الطاعة أن تكون دخلها الآفات فأحبطتها ، ثمّ قال : فحينئذ كمل عقله وساد أهل زمانه فهذا كلامه ، وبالجملة من جوّز أن يكون عند الله شقيّا وقد سبق القضاء الأزليّ بشقوته فما له سبيل إلى أن يتكبّر بحال من الأحوال ، نعم إذا غلبه الخوف رأى كلّ أحد خيرا من نفسه وذلك هو الفضيلة كما روي أنّ عابدا أوى إلى جبل فقيل له في النوم : ائت فلانا الإسكاف فسله أن يدعو لك فأتاه فسأله عن عمله فأخبره أنّه يصوم النهار ويكتسب ويتصدّق ببعضه ويطعم عياله ببعضه فرجع وهو يقول : إنّ هذا لحسن ولكن ليس هذا كالتفرّغ لطاعة الله فأتى في النوّم ثانيا فقيل : له ائت الإسكاف فقل له : ما هذا الصفار الَّذي بوجهك فأتاه فسأله ، فقال له : ما رأيت أحدا من الناس إلا وقع لي أنّه سينجو وأهلك أنا ، فقال العابد بهذه . والَّذي يدلّ على فضيلة هذه الخصلة قوله تعالى : « والَّذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة » ( 1 ) أي يؤتون الطاعات وهم على وجل عظيم من قبولها . وقال : « إنَّ الَّذين هم من خشية ربّهم مشفقون » ( 2 ) . وقال : « إنّا كنّا قبل في أهلنا مشفقين » ( 3 ) وقد وصف الله الملائكة مع تقدّسهم عن الذّنوب ومواظبتهم على العبادات على الدّؤوب بالاشفاق فقال : « يسبّحون

هامش
( 1 ) المؤمنون : 62 .
( 2 ) المؤمنون : 59 .
( 3 ) الطور : 27 .