تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
واحد هو وحده في مصيبته وخطره . فإن قلت : فكيف لا أبغض المبتدع في الله وأبغض الفاسق وقد أمرت ببغضهما ثمّ مع ذلك أتواضع لهما ؟ والجمع بينهما متناقض ؟ فاعلم أنّ هذا أمر مشتبه يلتبس على أكثر الخلق إذ يمتزج غضبك لله في إنكار البدعة والفسق بكبر النفس والإدلال بالعلم والورع ، فكم من عابد جاهل وعالم مغرور إذا رأى فاسقا جلس بجنبه أزعجه من عنده وتنزّه عنه بكبر باطن في نفسه وهو ظانّ أنّه قد غضب لله كما وقع لعابد بني إسرائيل مع خليعهم ، وذلك لأنّ الكبر على المطيع ظاهر كونه شرّا والحذر عنه ممكن والكبر على الفاسق والمبتدع يشبه الغضب لله وهو خير فإنّ الغضبان أيضا يتكبّر على من غضب عليه والمتكبّر يغضب وأحدهما يثمر الآخر ويوجبه وهما ممتزجان ملتبسان لا يميز بينهما إلا الموفّقون ، والَّذي يخلَّصك من هذا أن يكون الحاضر على قلبك عند مشاهدة المبتدع أو الفاسق إذا أمرتها بالمعروف ونهيتها عن المنكر ثلاثة أمور : أحدها التفاتك إلى ما سبق من ذنوبك وخطاياك ليصغر عند ذلك قدرك في عينك . والثاني أن تكون ملاحظتك لما أنت متميّز به من العلم واعتقاد الحقّ والعمل الصالح من حيث أنّها نعمة من الله عليك فله المنّة فيه لا لك فترى ذلك منه حتّى لا تعجب بنفسك وإذا لم تعجب لم تتكبّر . والثالث ملاحظة إبهام عاقبتك وعاقبته أنّه ربما يختم له بالخير ويختم لك بالسوء حتّى يشغلك الخوف عن التكبّر عليه . فإن قلت : فكيف أغضب مع هذه الأحوال ؟ فأقول : تغضب لمولاك وسيّدك إذ أمرك بأن تغضب لا لنفسك وأنت في غضبك لا ترى نفسك ناجيا وصاحبك هالكا بل يكون خوفك على نفسك بما علم الله من خفايا ذنوبك أكثر من خوفك عليه مع الجهل بالخاتمة ، وأعرفك ذلك بمثال لتعلم أنّه ليس من ضرورة الغضب لله أن تتكبّر على المغضوب عليه وترى قدرك فوق قدره ، فأقول : إذا كان للملك غلام