والمتكبّر بتمكين السلطان وولايته لا بصفة في نفسه بني أمره على قلب هو أشدّ غليانا من القدر ، فإن تغيّر عليه كان أذلّ الخلق وكلّ متكبّر بأمر خارج من ذاته فهو ظاهر الجهل كيف والمتكبّر بالغنى لو تأمّل لرأى في اليهود من يزيد عليه في الغنى والثروة والتجمّل ، فأفّ لشرف يسبقك اليهود به ، وأفّ لشرف يأخذه السارق في لحظة فيعود صاحبه ذليلا مفلسا ، فهذه أسباب ليست في ذاته ، وما هو في ذاته ليس إليه دوام وجوده وهو في الآخرة وبال ونكال فالتفاخر به غاية الجهل ، وكلّ ما ليس إليك فليس لك وشئ من الأمور ليس إليك بل إلى واهبها ( 1 ) إن أبقاها بقيت وإن استرجعها زالت عنك وما أنت إلا عبد مملوك لا تقدر على شيء ، فمن عرف ذلك فلا بدّ أن يزول كبره ومثاله أن يفخر الغافل بقوّته وجماله وماله وحرّيته واستقلاله وسعة منازله وكثرة خيوله وغلمانه إذ شهد عليه شاهدان عدلان عند حاكم منصف بأنّه رقيق لفلان وأنّ أبويه كانا مملوكين له فعلم ذلك وحكم به الحاكم فجاء مالكه فأخذه وأخذ جميع ما في يديه وهو مع ذلك يخشى أن يعاقبه وينكل به لتفريطه في أمواله وتقصيره في طلب مالكه ليعرف أنّ له مالكا ، ثمّ نظر العبد فرأى نفسه محبوسا في منزل قد أحدقت به الحيّات والعقارب والهوامّ وهو في كلّ حال على وجل من كلّ واحدة منها وقد بقي لا يملك نفسه ولا ماله ولا يعرف طريقا في الخلاص البتّة ، أفترى أنّ من هذه حاله هل يفتخر بقدرته وثروته وماله وقوّته وكماله ؟ أم يذلّ في نفسه ويخضع ؟ وهذا حال كلّ عاقل بصير فإنّه يرى نفسه كذلك فإنّه لا يملك رقبته وبدنه وأعضاءه وماله وهو مع ذلك بين آفات وشهوات وأمراض وأسقام هي كالعقارب والحيّات يخاف منها الهلاك فمن هذه حاله لا يتكبّر بقدرته وقوّته إذ يعلم أنّه لا قدرة له ولا قوّة . فهذا طريق علاج التكبّر بالأسباب الخارجة وهو أهون من علاج التكبّر بالعلم والعمل فإنّهما كما لان في النفس جدير ان بأن يفرح بهما ولكن في التكبّر بهما
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 260
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٦٠
هامش
( 1 ) كذا . والضمائر راجع إلى الأمور . وفي الاحياء « إلى واهبه » وكذا الضمائر التي تأتي .