تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
عن أن يمسّه أو يشمّه كلّ ذلك يعرف قذارته وذلَّه هذا في حال توسّطه وفي أوّل أمره خلق من الأقذار الشنيعة الصور من النطفة ودم الحيض وأخرج من مجاري الأقذار إذ خرج من الصلب ، ثمّ من الذّكر مجرى البول ، ثمّ من الرّحم مفيض دم الحيض ، ثمّ خرج من مجرى القذر ، هذا أوّله ووسطه ولو ترك نفسه في حياته يوما لم يتعهّدها بالتنظيف والغسل لثارت منه الأنتان والأقذار وصار أقذر وأنتن من الدّوابّ المهملة الَّتي لا تتعهّد نفسها قطَّ ، فإذا نظر أنّه خلق من أقذار وأسكن في أقذار وسيموت فيصير جيفة أقذر من سائر الأقذار لم يفتخر بجماله الَّذي هو كخضراء الدّمن وكلون الأزهار في البوادي ، فبينما هو كذلك إذا صار هشيما تذروه الرّياح ، كيف ولو كان جماله باقيا وعن هذه القبايح خاليا لكان يجب أن لا يتكبّر به على القبيح إذ لم يكن قبح القبيح إليه فينفيه ولا كان جمال الجميل إليه حتّى يحمد عليه ، كيف ولا بقاء له بل هو في كلّ حال يتصوّر أن يزول بمرض أو جدريّ أو قرحة أو سبب من الأسباب ، فكم من وجوه جميلة قد سمجت بهذه الأسباب فمعرفة هذه الأمور تنزع من القلب داء الكبر بالجمال لمن أكثر تأمّلها . السبب الثالث التكبّر بالقوّة والأيدي ويمنعه من ذلك أن يعلم ما سلَّط عليه من العلل والأمراض وأنّه لو توجّع عرق واحد من بدنه لصار أعجز من كلّ عاجز وأذلّ من كلّ ذليل ، وأنّه لو سلبه الذّباب شيئا لم يستنقذه منه ، وأنّ بقّة لو دخلت في أنفه أو نملة دخلت في إذنه لقتلته ، وأنّ شوكة لو دخلت رجله لأعجزته وأنّ حمىّ يوم تحلَّل من قوّته ما لا ينجبر في مدّة فمن لا يطيق شوكة ولا يقاوم بقّة ولا يقدر على أن يدفع عن نفسه ذبابة فلا ينبغي أن يفتخر بقوّته ، ثمّ إنّ قوى الإنسان لا يكون أقوى من حمار أو فيل أو جمل أو بقر وأيّ افتخار في صفة تسبقك البهائم فيها . السبب الرابع والخامس الغنى وكثرة المال وفي معناه كثرة الأتباع والأنصار والتكبّر بولاية السلاطين والتمكَّن من جهتهم ، وكلّ ذلك تكبّر بمعنى خارج عن ذات الإنسان كالجمال والقوّة والعلم ، وهذا أقبح أنواع الكبر فإنّ المتكبّر بماله كأنّه متكبّر بفرسه وداره ولو مات فرسه وانهدمت داره لعاد ذليلا