لا بل عذابه مدّة مديدة وهذه مزلَّة أقدام العبّاد والعلماء ، فإنّهم يتشبّهون بالأقوياء في الإظهار ولا تقوى قلوبهم على الإخلاص فتحبط أجورهم بالرّياء والتفطَّن لذلك غامض ، ومحك ذلك أن يعرض على نفسه أنّه لو قيل له : أخف العمل حتّى يقتدي الناس بعابد آخر من أقرانك ويكون لك في السرّ مثل أجر الإعلان ، فإن مال قلبه إلى أن يكون هو المقتدى به وهو المظهر للعمل فباعثه الرّياء دون طلب الأجر واقتداء الناس به ورغبتهم في الخير فإنّهم قد رغبوا في الخير بالنظر إلى غيره وأجره قد توفّر عليه مع إسراره فما بال قلبه يميل إلى الإظهار لولا ملاحظته لأعين الخلق ومراءاتهم ، فليحذر العبد خدع النفس فإنّ النفس خدوعة والشيطان مترصّد وحبّ الجاه على القلب غالب وقلَّما تسلم الأعمال الظاهرة عن الآفات فلا ينبغي أن يعدل بالسلامة شيئا والسلامة في الإخفاء ، وفي الإظهار من الأخطار ما لا يقوى عليه أمثالنا فالحذر من الإظهار أولى بنا وبجميع الضعفاء .
القسم الثاني أن يتحدّث بما فعله بعد الفراغ وحكمه حكم إظهار العمل نفسه والخطر في هذا أشدّ لأنّ مئونة النطق خفيفة على اللَّسان وقد تجري في الحكاية زيادة ومبالغة وللنفس لذّة في إظهار الدّعاوي عظيمة إلا أنّه لو تطرّق إليه الرّياء ثمّ يؤثر في إفساد العبادة الماضية بعد الفراغ منها فهو من هذا الوجه أهون فالحكم فيه أنّ من قوي قلبه وتمّ إخلاصه وصغر الناس في عينه واستوى عنده مدحهم وذمّهم وذكر ذلك عند من يرجو الاقتداء به والرّغبة في الخير بسببه فهو جائز بل مندوب إليه إن صفت النيّة وسلمت من جميع الآفات لأنّه ترغيب في الخير والترغيب في الخير خير ، وقد نقل مثل ذلك عن جماعة من السلف الأقوياء . فلا ينبغي أن يسدّ باب إظهار الأعمال ، والطباع مجبولة على التشبّه والاقتداء بل إظهار المرائي للعبادة إذا لم يعلم الناس أنّه رياء فيه خير كثير للناس ولكنّه شرّ للمرائي فكم من مخلص كان سبب إخلاصه الاقتداء بمن هو مراء عند اللَّه تعالى وقد روي أنّه كان يجتاز الإنسان في سكك البصرة عند الصبح فيسمع أصوات المصلَّين بالقرآن من البيوت
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 184
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٨٤