اللَّه تعالى فلا يخفى غلطه ، وإنّما أمرنا بالحذر من الشيطان كيلا يصدّنا عن الذّكر فكيف نجعل ذكره أغلب الأشياء على قلوبنا وهو منتهى ضرر العدوّ ، ثمّ يؤدّي ذلك إلى خلوّ القلب عن نور ذكر اللَّه تعالى فإذا قصد الشيطان مثل هذا القلب وليس فيه نور ذكر اللَّه وقوّة الاشتغال به فيوشك أن يظفر به ولا يقوي على دفعه فلم يأمرنا بانتظار الشيطان ولا بإدمان ذكره ، وأمّا الفرقة الثانية فقد شاركت الأولى إذ جمعت في القلب بين ذكر اللَّه والشيطان وبقدر ما يشتغل القلب بذكر الشيطان ينقص من ذكر اللَّه وقد أمر اللَّه الخلق بذكره ونسيان ما عداه - إبليس وغيره - فالحقّ أن يلزم العبد قلبه الحذر من الشيطان ويقرّر على نفسه عداوته فإذا اعتقده وصدق به وسكن الحذر فيه فليشتغل بذكر اللَّه ويكبّ عليه بكلّ الهمّة ولا يخطر بباله أمر الشيطان فإنّه إذا اشتغل بذلك بعد معرفة عداوته ثمّ خطر الشيطان له تنبّه له وعند التنبّه يشتغل بدفعه ، والاشتغال بذكر اللَّه لا يمنع من التيقّظ عند نزغة الشيطان ، بل الرّجل ينام وهو خائف على أن يفوته مهمّ عند طلوع الصبح فيلزم نفسه الحذر وينام على أن يتنبّه في ذلك الوقت فينتبه في اللَّيل مرّات قبل أوانه لما استكنّ في قلبه من الحذر مع أنّه بالنوم غافل عنه فاشتغاله بذكر اللَّه كيف يمنع تنبّهه ، ومثل هذا القلب هو الَّذي يقوى على دفع العدوّ وإذا كان اشتغاله بمجرّد ذكر اللَّه تعالى قد أمات منه الهوى وأحيى فيه نور العقل والعلم وأماط عنه ظلمة الشهوات ، فأهل البصيرة أشعروا قلوبهم عداوة الشيطان وترصّده وألزموها الحذر ثمّ لم يشتغلوا بذكره بل بذكر اللَّه ودفعوا بالذّكر شرّ العدوّ واستضاؤا بنور الذّكر حتّى أبصروا خواطر العدوّ ، فمثال القلب مثال بئر أريد تطهيرها من الماء القذر ليتفجّر منها الماء الصافي ، فالمشتغل بذكر الشيطان قد ترك فيها الماء القذر والَّذي جمع بين ذكر الشيطان وبين ذكر اللَّه قد نزح الماء القذر من جانب ولكنّه تركه جاريا إليها من جانب آخر فيطول تعبه ولا تجفّ البئر عن الماء القذر ، والبصير هو الَّذي جعل لمجري الماء القذر سدّا وملأها بالماء الصافي فإذا جاء الماء القذر دفعه بالسكر والسدّ من غير كلفة ومؤونة وزيادة تعب .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 181
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٨١