* ( بيان الرّخصة في قصد إظهار الطَّاعات ) * اعلم أنّ في الإسرار للأعمال فائدة الإخلاص والنجاة من الرّياء وفي الإظهار فائدة الاقتداء وترغيب الناس في الخير ولكنّ فيه آفة الرّياء ، قال بعض السلف : قد علم المسلمون أنّ السرّ أحرز العملين ولكنّ في الإظهار أيضا فائدة ولذلك أثنى اللَّه تعالى على السرّ والعلانية فقال : « إن تبدوا الصدقات فنعمّا هي ، وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم » ( 1 ) والإظهار قسمان أحدهما في نفس العمل والآخر في التحدّث بما عمل . القسم الأوّل إظهار نفس العمل كالصدقة في الملأ لترغيب الناس فيها كما روي عن الأنصاريّ الَّذي جاء بالصرّة فتتابع الناس بالعطيّة لمّا رأوه ، فقال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « من سنّ سنّة حسنة فعمل بها كان له أجرها وأجر من اتّبعه » ( 2 ) ثمّ تجري سائر الأعمال هذا المجرى من الصلاة والصيام والحجّ والغزو وغيره ، ولكنّ الاقتداء على الطباع في الصدقة أغلب ، نعم الغازي إذا همّ بالخروج فاستعدّ وشدّ الرّحل قبل القوم تحريضا لهم على الحركة فذلك أفضل له لأنّ الغزو في أصله من أعمال العلانية لا يمكن إسراره فالمبادرة إليه ليس من الإعلان بل هو تحريض مجرّد ، فكذلك الرّجل قد يرفع صوته في الصلاة باللَّيل لينبّه جيرانه وأهله فيقتدى به فكلّ عمل لا يمكن إسراره كالحجّ والجهاد والجمعة فالأفضل المبادرة إليه وإظهار الرّغبة فيه للتحريض بشرط أن لا تكون فيه شوائب الرّياء ، وأمّا ما يمكن إسراره كالصدقة والصلاة فإن كان إظهار الصدقة يؤذي المتصدّق عليه ويرغَّب الناس في الصدقة فالسرّ أفضل لأنّ الإيذاء حرام ، فإن لم يكن فيه إيذاء فقد اختلف الناس في الأفضل فقال قوم : السرّ أفضل من العلانية وإن كان في العلانية قدوة ، وقال قوم : السرّ أفضل من علانية لا قدوة فيها ، أمّا العلانية للقدوة فهي أفضل من السرّ ، ويدلّ على ذلك أنّ اللَّه تعالى أمر الأنبياء بإظهار العمل للاقتداء وخصّهم بمنصب النبوّة
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 182
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٨٢
هامش
( 1 ) البقرة : 271 .
( 2 ) أخرجه مسلم ج 8 ص 61 من حديث جرير بن عبد اللَّه .