تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦

قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « من ارتكب شيئا من هذه القاذورات فليستره بستر اللَّه تعالى » ( 1 ) فهو وإن عصى اللَّه بالذّنب فلم يخل قلبه من محبّة ما أحبّه اللَّه ، وهذا ينشأ من قوّة الإيمان لكراهة اللَّه لظهور المعاصي ، وأثر الصدق فيه أن يكره ظهور الذّنب من غيره أيضا ويغتمّ بسببه . الثالث أن يكره ذمّ الناس له به من حيث إنّ ذلك يغمّه ويشتغل قلبه وعقله عن طاعة اللَّه تعالى فإنّ الطبع يتأذّى بالذّمّ وينازع العقل ويشتغل عن الطاعة وبهذه العلَّة ينبغي أيضا أن يكره الحمد الَّذي يشغله عن اللَّه تعالى ويستغرق قلبه ويصرفه عن الذكر وهذا أيضا من قوّة الإيمان إذ صدق الرّغبة في فراغ القلب لأجل الطاعة من الإيمان . الرّابع : أن يكون ستره ورغبته فيه لكراهته لذمّ الناس من حيث يتأذّى طبعه به فإنّ الذّمّ مؤلم للقلب كما أنّ الضرب مؤلم للبدن وتألَّم القلب بالذّنب ليس بحرام ولا الإنسان به عاص ، وإنّما يعصي إذا جزعت نفسه من ذمّ النّاس ودعته إلى ما لا يجوز حذرا من ذمّهم وليس يجب على الإنسان أن لا يغتمّ بذمّ الخلق ولا يتألَّم به نعم كمال الصدق في أن تزول عنه رؤيته للخلق فيستوي عنده ذامّه ومادحه لعلمه أنّ الضارّ والنافع هو اللَّه وأن العباد كلَّهم عاجزون ، وذلك قليل جدّا وأكثر الطباع تتألَّم بالذّمّ لما فيه من الشعور بالنقصان ، وربّ تألَّم بالذّمّ محمود إذا كان الذّامّ من أهل البصيرة في الدّين فإنّهم شهداء اللَّه وذمّهم يدلّ على ذمّ اللَّه تعالى وعلى نقصان في الدّين فكيف لا يغتمّ به ، نعم الغمّ المذموم وهو أن يغتمّ لفوات الحمد بالتورّع كأنّه يحبّ أن يحمد بالورع ولا يجوز أن يحبّ أن يحمد بطاعة اللَّه فيكون قد طلب بطاعة اللَّه ثوابا من غيره ، فإن وجد ذلك في نفسه وجب عليه أن يقابله بالكراهة والرّدّ ، وأمّا كراهة الذّمّ بالمعصية من حيث الطبع فليس بمذموم فله الستر حذرا من ذلك ويتصوّر أن يكون العبد بحيث

هامش
( 1 ) أخرجه الحاكم بلفظ آخر في المستدرك ج 4 ص 244 . وقال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 186 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري