لا يحبّ الحمد ولكن يكره الذّمّ وإنّما مراده أن يتركه الناس حمدا وذمّا فكم من صابر عن لذّة الحمد لا يصبر على ألم الذّمّ إذ الحمد بطلب اللَّذّة وعدم اللَّذّة لا يؤلم وأمّا الذّمّ فإنّه مؤلم ، فحبّ الحمد على الطاعات طلب ثواب الطاعة في الحال ، وأمّا كراهة الذّمّ على المعصية فلا محذور فيه إلا أمر واحد وهو أن يشغله غمّه باطَّلاع الخلق على ذنبه عن اطَّلاع اللَّه ، فإنّ ذلك غاية النقصان في الدّين ، بل ينبغي أن يكون غمّه باطَّلاع اللَّه وذمّه له أكثر . وقد يكره الذّمّ من حيث إنّ الذّامّ قد عصى اللَّه تعالى به وهذا من الإيمان ، وعلامته أن يكره ذمّه لغيره أيضا ، فهذا التوجّع لا يفرق بينه وبين غيره بخلاف التوجّع من جهة الطبع . الخامس : أن يستر ذلك كيلا يقصد بشرّ إذا عرف ذنبه وهذا وراء ألم الذّمّ فإنّ الذّمّ مؤلم من حيث يشعر القلب بنقصانه وخسّته ، وإن كان ممّن يؤمن شرّه ، وقد يخاف شرّ من يطَّلع على ذنبه بسبب من الأسباب فله أن يستر ذلك حذرا منه . السادس : مجرّد الحياء فإنّه نوع ألم وراء ألم الذّمّ والقصد بالشرّ ، والحياء هو خلق كريم يحدث في أوّل الصبا مهما أشرق عليه نور العقل فيستحي من القبائح إذا شوهدت منه وهو وصف محمود ، إذ قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « الحياء خير كلَّه » ( 1 ) وقال : « الحياء شعبة من الإيمان » ( 2 ) . وقال : « الحياء لا يأتي إلا بالخير » ( 3 ) . وقال : « إنّ اللَّه يحبّ الحييّ الحليم » ( 4 ) فالَّذي يفسق ولا يبالي بأن يظهر فسقه للناس قد جمع إلى الفسق التهتّك والوقاحة وفقد الحياء فهو أشدّ حالا ممّن يفسق فيستره ويستحي إلا أنّ الحياء ممتزج بالرّياء يشتبه به اشتباها عظيما قلّ من يتفطَّن له ، ويدّعي كلّ مراء أنّه مستحي وأنّ سبب تحسينه للعبادات هو الحياء من
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 187
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٨٧
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم ج 1 ص 47 من حديث عمران بن حصين .
( 2 ) أخرجه البخاري ج 1 ص 9 من حديث أبي هريرة .
( 3 ) أخرجه مسلم ج 1 ص 46 من حديث عمران بن حصين والبخاري ج 8 ص 35 من حديث عمران أيضا .
( 4 ) قال العراقي : أخرجه الطبراني من حديث فاطمة عليها السلام .