ولا يجوز أن يظنّ بهم أنّهم حرموا أفضل العملين ويدلّ عليه قوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « أجرها وأجر من عمل بها » وقد روي في بعض الحديث : « إنّ عمل السرّ يضاعف على عمل العلانية بسبعين ضعفا ويضاعف عمل العلانية إذا استنّ بعامله على عمل السرّ سبعين ضعفا » [ 1 ]
وهذا لا وجه للخلاف فيه فإنّه مهما انفكّ القلب عن شوائب الرّياء وتمّ الإخلاص على وجه واحد في الحالتين فما يقتدى به أفضل لا محالة وإنّما يخاف من ظهور الرّياء ومهما حصلت شائبة الرّياء لم ينفعه اقتداء غيره وهلك به فلا خلاف في أنّ السرّ أفضل منه .
ولكنّ على من يظهر العمل وظيفتان : إحداهما : أن يظهره حيث يعلم أنّه يقتدى به أو يظنّ ذلك ظنّا وربّ رجل يقتدي به أهله دون جيرانه ، وربّما يقتدي به جيرانه دون أهل السوق وربّما يقتدي به أهل محلَّته ، وإنّما العالم المعروف هو الَّذي يقتدي به الناس كافّة فغير العالم إذا أظهر بعض الطاعات ربّما نسب إلى الرّياء والنفاق وذمّوه ولم يقتدوا به فليس له الإظهار من غير فائدة فإنّما يصحّ الإظهار بنيّة القدوة ممّن هو في محلّ القدوة على من هو في محلّ الاقتداء به .
والثانية أن يراقب قلبه فإنّه ربّما يكون فيه حبّ الرّياء الخفيّ فيدعوه إلى الإظهار بعذر الاقتداء ، وإنّما شهوتها التجمّل بالعمل وبكونه مقتدى به ، وهذا حال كلّ من يظهر أعماله إلا الأقوياء المخلصين وقليل ما هم ، فلا ينبغي أن يخدع الضعيف نفسه بذلك فيهلك وهو لا يشعر ، فإنّ الضعيف مثاله مثال الغريق الَّذي يحسن سباحة ضعيفة فنظر إلى جماعة من الغرقى فرحمهم فأقبل عليهم حتّى تشبثوا به فهلكوا وهلك والغرق بالماء في الدّنيا ألمه ساعة وليت كان الهلاك بالرّياء مثله
هامش
[ 1 ] أخرجه البيهقي في الشعب من حديث أبي الدرداء مقتصرا على الشطر الأول بنحوه وقال : هذا من افراد بقية عن شيوخه المجهولين وقد تقدم وله من حديث ابن عمر « عمل السر أفضل من عمل العلانية والعلانية أفضل لمن أراد الاقتداء » وقال قد تفرد به بقية عن عبد الملك بن مهران . وله من حديث عائشة « يفضل أو يضاعف الذكر الخفي الذي لا يسمعه الحفظة على الذي تسمعه بسبعين ضعفا »
وقال : تفرد به معاوية بن يحيى الصد في وهو ضعيف . ( المغني )