فإذا لزمك بأمر اللَّه الحذر من العدوّ الكافر وأنت تراهم فبأن يلزمك الحذر من عدوّ يراك ولا تراه أولى ، ولذلك قيل : صيد تراه ولا يراك يوشك أن تظفر به ، وصيد يراك ولا تراه يوشك أن يظفر بك ، وأشار إلى الشيطان فكيف وليس في الغفلة من عداوة الكافر إلا قتل هو شهادة وفي إهمال الحذر من الشيطان التعرّض للنّار والعقاب الأليم ، فليس من الاشتغال باللَّه الإعراض عمّا حذّر اللَّه عنه ، وبه يبطل مذهب الفرقة الثانية في ظنّهم أنّ ذلك قادح في التوكَّل فإنّ أخذ الترس والسلاح وجمع الجنود وحفر الخندق لم يقدح في توكَّل رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فكيف يقدح في التوكَّل الخوف ممّا خوّف اللَّه به ، والحذر ممّا أمر بالحذر منه ، وقد ذكرنا في كتاب التوكَّل ما يبين غلط من ظنّ أن معنى التوكَّل النزوع عن الأسباب بالكلَّيّة وقوله تعالى : « وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل » لا يناقض امتثاله التوكَّل مهما اعتقد القلب أنّ الضارّ والنافع والمحيي والمميت هو اللَّه ، فكذلك يحذر الشيطان ويعتقد أنّ المضلّ والهادي هو اللَّه ، ويرى الأسباب وسائط مسخّرة كما ذكرناه في كتاب التوكَّل .
وهذا ما اختاره المحاسبيّ وهو الصحيح الَّذي يشهد له نور العلم وما قبله يشبه أن يكون من كلام العبّاد الَّذين لم يعزر علمهم ويظنّون أن ما يهجم عليهم من الأحوال في بعض الأوقات من الاستغراق باللَّه يستمر على الدّوام وهو بعيد .
ثمّ اختلفت هذه الفرقة على ثلاثة أوجه في كيفيّة الحذر فقال قوم : إذا حذّرنا اللَّه تعالى العدوّ فلا ينبغي أن يكون شيء أغلب على قلوبنا من ذكره والحذر منه والترصّد له فإنّا إن غفلنا عنه لحظة فيوشك أن يهلكنا ، وقال قوم : إنّ ذلك يؤدّي إلى خلوّ القلب عن ذكر اللَّه واشتغال الهمّ كلَّه بالشيطان وذلك مراد الشيطان منّا بل نشتغل بذكر اللَّه تعالى ولا ننسي الشيطان وعداوته والحاجة إلى الحذر منه فنجمع بين الأمرين ، فإنّا إن نسيناه ربّما عرض من حيث لا نحتسب وإن تجرّدنا لذكره كنّا قد أهملنا ذكر اللَّه تعالى فالجمع أولى ، وقال العلماء المحقّقون : غلط الفريقان فأمّا الأوّل : فقد تجرّد لذكر الشيطان ونسي ذكر
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 180
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٨٠