الشيطان سيحسده عند جريان أسباب الرّياء فيكون قد عزم على أنّه مهما نزغ الشيطان زاد فيما هو فيه من الإخلاص والاشتغال باللَّه عزّ وجلّ وإخفاء الصدقة والعبادة غيظا للشيطان ، وذلك هو الَّذي يغيظ الشيطان ويقمعه ويوجب يأسه وقنوطه حتّى لا يرجع ، ويروى عن الفضيل بن غزوان أنّه قيل له : إنّ فلانا ذكرك بسوء ، قال : واللَّه لأغيظنّ من أمره ، قيل : ومن أمره ؟ قال : الشيطان ، ثمّ قال : « اللَّهمّ اغفر له » أي لأغيطينه بأن أطيع اللَّه فيه ، ومهما عرف الشيطان من عبد اعتاد هذه العادة كفّ عنه خيفة من أن يزيد في حسناته ، وقال إبراهيم التيميّ : إنّ الشيطان ليدعو العبد إلى الباب من الإثم فلا يطعه وليحدث عند ذلك خيرا ، فإذا رآه كذلك تركه . وقال أيضا : إذا رآك الشيطان متردّدا طمع فيك وإذا رآك مداوما ملَّك وقلاك ( 1 ) . وضرب الحارث المحاسبيّ ( 2 ) لهذه الأربعة مثالا أحسن فيه فقال : مثالهم كأربعة قصدوا مجلسا من العلم والحديث لينالوا منه فائدة وهداية ورشدا ، فحسدهم على ذلك ضالّ مبتدع وخاف أن يعرفوا الحقّ ، فتقدّم إلى واحد منهم فمنعه وصرفه عنه ودعاه إلى مجلس ضلال فأبى فلمّا عرف إباءه شغله بالمجادلة فاشتغل معه ليردّ ضلاله وهو يظنّ أنّ ذلك مصلحة له وهو غرض الضّالّ ليفوت عليه بقدر تأخّره ، فلمّا مرّ الثاني عليه نهاه واستوقفه فوقف فدفع في نحر الضالّ ولم يشتغل بالقتال واستعجل ففرح منه الضالّ بقدر توقّفه للدّفع فيه ، ومرّ به الثالث فلم يلتفت إليه ولم يشتغل بدفعه ولا بقتاله بل استمرّ على ما كان فخاب منه رجاؤه بالكلَّيّة ، ومرّ الرّابع فلم يتوقّف له وأراد أن يغيظه فزاد في عجلته وترك التأنّي في المشي فيوشك إن عادوا ومرّوا عليه مرّة أخرى أن يعاود الجميع إلا هذا الأخير فإنّه لا يعاوده خيفة من أن يزداد فائدة باستعجاله .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 178
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٧٨
هامش
( 1 ) مل يمل : أصابه الملال ، تقلب مرضا أو غما . والقلى : البغض .
( 2 ) هو أبو عبد اللَّه الحارث بن أسد المحاسبي صاحب كتاب « الرعاية لحقوق اللَّه » وهذا الكتاب طبع بلندن وهذا الكلام فيه ص 109 فليراجع .