بصريح الإيمان الوسوسة فلم يبق إلا حمله على الكراهة المساوقة للوسوسة والرّياء وإن كان عظيما فهو دون الوسوسة في حقّ اللَّه تعالى فإذا اندفع ضرر الأعظم بالكراهة فبأن يندفع بها ضرر الأصغر أولى ، وكذلك يروى عن النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم في حديث ابن عبّاس أنّه قال : « الحمد للَّه الَّذي ردّ كيد الشيطان إلى الوسوسة » ( 1 ) . وقال أبو حازم : ما كان من نفسك فكرهته نفسك لنفسك فلا يضرّك ما هو من عدوّك ، وما كان من نفسك فرضيته نفسك لنفسك فعاتبها عليه . فإذن وسوسة الشيطان ومنازعة النّفس لا تضرّك مهما رددت مرادهما بالإباء والكراهة . والخواطر الَّتي هي العلوم والتذكَّرات والتخيّلات للأسباب المهيّجة للرّياء هي من الشيطان . والرّغبة والميل بعد تلك الخواطر من النفس والكراهة من الإيمان ومن آثار العقل إلا أنّ للشيطان ههنا مكيدة وهو أنّه إذا عجز عن حمله على قبول الرّياء خيّل إليه أن صلاح قلبه في الاشتغال بمجادلة الشيطان ومطاولته في الردّ والجدال حتّى يسلبه ثواب الإخلاص وحضور القلب ، لأنّ الاشتغال بمجادلة الشيطان ومدافعته انصراف عن سرّ المناجاة مع اللَّه عزّ وجلّ فيوجب ذلك نقصانا في منزلته عند اللَّه . والمتخلصون عن الرّياء في دفع خواطر الرّياء على أربع مراتب : الأولى : أن يردّه على الشيطان فيكذّبه ولا يقتصر عليه بل يشتغل بمجادلته ويطيل الجدال معه لظنّه أنّ ذلك أسلم للقلب وهو على التحقيق نقصان لأنّه اشتغل عن مناجاة اللَّه وعن الخير الَّذي هو بصدده وانصرف إلى قتال قطَّاع الطريق والتعريج على قتال قطَّاع الطريق نقصان في السلوك ، الثانية : أن يعرف أنّ القتال والجدال نقصان في السلوك فيقتصر على تكذيبه ودفعه ولا يشتغل بمجادلته ، الثالثة : أن لا يشتغل بتكذيبه أيضا لأنّ ذلك وقفة وإن قلَّت ، بل يكون قد قرّر في عقد ضميره كراهة الرّياء وكذب الشيطان فيستمرّ على ما كان عليه مستصحبا للكراهة غير مشتغل بالتكذيب ولا بالمخاصمة ، الرابعة : أن يكون قد علم أنّ
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 177
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٧٧
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد ج 1 ص 235 من حديث ابن عباس ، وأيضا أبو داود ج 2 ص 623 في حديث .