من بادر بالصلاة في أوّل الوقت لحضور جماعة ولو خلا لأخّرها إلى وسط الوقت ولولا الفرض لكان لا يبتدئ صلاة لأجل الرّياء فهذا ممّا يقطع بصحّة صلاته وسقوط الفرض به لأنّ باعث أصل الصلاة من حيث إنّها صلاة لم يعارضه غيره بل من حيث تعيين الوقت ، فهذا أبعد عن القدح في النيّة ، هذا في رياء يكون باعثا على العمل وحاملا عليه ، فأمّا مجرّد السرور باطَّلاع الناس عليه إذا لم يبلغ أثره إلى حيث يؤثّر في العمل فبعيد أن يفسد الصلاة فهذا ما نراه لايقا بقانون الفقه ، والمسألة غامضة من حيث إنّ الفقهاء لم يتعرّضوا لها في فنّ الفقه ، والَّذين خاضوا فيها وتصرّفوا لم يلاحظوا قوانين الفقه ، ومقتضى فتاوي الفقهاء في صحّة الصلاة وفسادها ، بل حملهم الحرص على تصفية القلوب وطلب الإخلاص على إفساد العبادات بأدنى الخواطر وما ذكرناه هو الأقصد فيما نراه والعلم عند اللَّه تعالى فيه .
* ( بيان دواء الرّياء وطريق معالجة القلب فيه ) *
لقد عرفت ممّا سبق أنّ الرّياء محبط للأعمال وسبب للمقت عند اللَّه وأنّه من كبائر المهلكات ، وما هذا وصفه فجدير بالتشمير عن ساق الجدّ في إزالته ولو بالمجاهدة وتحمّل المشاقّ ، فلا شفاء إلا في شرب الأدوية المرّة البشعة ، وهذه مجاهدة يضطرّ إليها العباد كلَّهم ، إذ الصبيّ يخلق ضعيف العقل والتمييز ، ممتدّ العين إلى الخلق ، كثير الطمع فيهم ، فيرى الناس يتصنّع بعضهم لبعض فيغلب عليه حبّ التصنّع بالضرورة ويترسّخ ذلك في نفسه وإنّما يشعر بكون ذلك مهلكا بعد كمال عقله وقد انغرس الرّياء في قلبه وترسّخ فيه ، فلا يقدر على قمعه إلا بمجاهدة شديدة ومكابدة لقوّة الشهوات ، فلا ينفكّ أحد عن الحاجة إلى هذه المجاهدة ولكنّها تشقّ أوّلا وتخفّ آخرا وفي علاجه مقامان : أحدهما قطع عروقه وأصوله الَّتي منها انشعابه ، والثاني دفع ما يخطر منه في الحال .
المقام الأوّل في قطع عروقه واستئصال أصوله ،
وأصوله : حبّ المنزلة والجاه ، وإذا فصّل رجع إلى ثلاثة أصول وهو حبّ لذّة المحمدة والفرار من ألم المذمّة والطمع لما في أيدي الناس ، ويشهد للرّياء بهذه الأسباب وأنّها الباعثة للمرائي
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 170
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٧٠