الشيء ويرغب فيه لظنّه أنّه خير له ونافع ولذيذ إمّا في الحال وإمّا في المآل ، فإن علم أنّه لذيذ في الحال ولكنّه ضارّ في المآل سهل عليه قطع الرّغبة عنه كمن يعلم أنّ العسل لذيذ ولكن إذا بان له أنّ فيه سمّا أعرض عنه ، فكذلك طريق قطع هذه الرّغبة أن يعلم ما فيها من المضرّة ، ومهما عرف العبد مضرّة الرّياء وما يفوته من صلاح قلبه وما يحرم عنه في الحال من التوفيق وفي الآخرة من المنزلة عند اللَّه وما يتعرّض له من العقاب العظيم والمقت الشديد والخزي الظاهر حيث ينادى به على رؤس العباد : يا فاجر ، يا غادر ، يا مرائي أما استحييت إذا اشتريت بطاعة اللَّه عرض الدّنيا ، راقبت قلوب العباد واستهزأت بنظر اللَّه تعالى ، وتحبّبت إلى العباد بالتبغض إلى اللَّه ، وتزيّنت لهم بالشين عند اللَّه ، وتقرّبت إليهم بالبعد من اللَّه ، وتحمدت إليهم بالتذمم عند اللَّه ، وطلبت رضاهم بالتعرّض لسخط اللَّه ، أما كان أحد أهون عليك من اللَّه ، فمهما تفكَّر العبد في هذا الخزي وقابل ما يحصل له من العباد والتزيّن لهم في الدّنيا بما يفوته من الآخرة ، وما يحبط عليه من ثواب الأعمال مع أنّ العمل الواحد ربّما كان يترجّح به ميزان حسناته لو خلص فإذا فسد بالرّياء حوّل إلى كفّة السيّئات فترجّح به ويهوي إلى النّار ، فلو لم يكن في الرّياء إلا إحباط عبادة واحدة لكان ذلك كافيّا في معرفة ضرره وإن كانت مع ذلك سائر حسناته راجحة فقد كان ينال بهذه الحسنة علوّ الرّتبة عند اللَّه في زمرة النبيّين والصدّيقين وقد حطَّ عنهم بسبب الرّياء وردّ إلى صفّ النعال من مراتب الأولياء هذا مع ما يتعرّض له في الدّنيا من تشتّت الهمّ بسبب ملاحظة قلوب الخلق ، فإنّ رضا الناس غاية لا تدرك ، فكلّ ما يرضى به فريق يسخط به فريق ، ورضا بعضهم في سخط بعضهم ، ومن طلب رضاهم في سخط اللَّه سخط اللَّه عليه وأسخطهم أيضا عليه ثمّ أيّ غرض له في مدحهم وإيثار ذمّ اللَّه لأجل حمدهم ولا يزيده حمدهم رزقا ولا أجلا ، ولا ينفعه يوم فقره وفاقته ، وهو يوم القيامة ، وأمّا الطمع بما في أيديهم فبأن يعلم أنّ اللَّه تعالى هو المسخّر للقلوب بالمنع والإعطاء ، وأنّ الخلق مضطرّون فيه ولا رازق إلا اللَّه ومن طمع في الخلق لم يخل من الذّل والخيبة ، وإن وصل إلى المراد لم يخل عن المنّة والمهانة
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 172
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٧٢