لعلمهم بأنّ أرباب البوادي لا يروّج عندهم الزايف ، والحاجة تشتدّ في البادية ، ولا وطن يفزع إليه ، ولا حميم يتمسّك به ، فلا ينجي إلا الخالص من النّقد ، فهكذا يشاهد أرباب القلوب يوم القيامة والزّاد الَّذي يتزوّدونه له التقوى فإذن شوائب الرّياء الخفيّ كثيرة لا تنحصر ومهما أدركت النفس تفرقة بين أن يطَّلع على عبادته إنسان أو بهيمة ففيه شعبة من الرّياء فإنّه لمّا قطع طمعه عن البهائم لم يبال حضره البهائم أو الصبيان الرّضّع أو غابوا ، اطَّلعوا على حركته أو لم يطَّلعوا ، ولو كان مخلصا قانعا بعلم اللَّه لاستحقر عقلاء العباد كما استحقر صبيانهم ومجانينهم ، وعلم أنّ العقلاء لا يقدرون له على رزق ولا أجل وزيادة ثواب ونقصان عقاب ، كما لا يقدر عليه البهائم والصبيان والمجانين ، فإذا لم يجد ذلك ففيه شوب رياء خفيّ ولكن ليس كلّ شوب محبطا للأجر ومفسدا للعمل بل فيه تفصيل . فان قلت : فما نرى أحدا ينفكّ عن السّرور إذا عرفت طاعاته فالسّرور مذموم كلَّه أو بعضه محمود ؟ . فنقول أوّلا : كلّ سرور فليس بمذموم بل السّرور منقسم إلى محمود ومذموم ، فأمّا المحمود فأربعة : الأوّل : أن يكون قصده إخفاء الطاعة والإخلاص للَّه ولكن لمّا اطَّلع عليه الخلق علم أنّ اللَّه أطَّلعهم عليه وأظهر الجميل من أحوالهم فيستدلّ به على حسن صنيع اللَّه به ونظره له وألطافه به فإنّه يستر الطاعة والمعصية ، ثمّ اللَّه يستر عليه المعصية ويظهر الطاعة ، فلا لطف أعظم من ستر القبيح وإظهار الجميل ، فيكون فرحه بجميل نظر اللَّه له لا بحمد الناس وقيام المنزلة في قلوبهم ، وقد قال اللَّه تعالى : « قل بفضل اللَّه وبرحمته فبذلك فليفرحوا » ( 1 ) وكأنّه ظهر له أنّه عند اللَّه مقبول ففرح به . الثاني : أن يستدلّ بإظهار اللَّه الجميل وستره القبيح عليه في الدّنيا أنّه كذلك يفعل به في الآخرة إذ قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « ما ستر اللَّه على عبد ذنبا في الدّنيا
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 164
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٦٤
هامش
( 1 ) يونس : 58 .