أو يتصدّقون فيوافقهم خيفة أن ينسب إلى الكسل ويلحق بالعوام ولو خلا بنفسه لكان لا يفعل شيئا منه ، وكالَّذي يعطش في اليوم الَّذي يصام فيه تطوّعا فلا يشرب خوفا من أن يعلم الناس أنّه غير صائم فإذا ظنّوا به الصوم امتنع عن الأكل لأجلهم أو يدعى إلى طعام فيمتنع ليظنّ أنّه صائم وقد لا يصرّح بأنّه صائم ولكن يقول : لي عذر ، وهو جمع بين خبثين فإنّه يري أنّه صائم ثمّ يري أنّه مخلص ليس بمراء وإنّه يحترز من أن يذكر عبادته للنّاس فيكون مرائيا فيريد أن يقال : إنّه ساتر لعباداته ، ثمّ إن اضطرّ إلى شرب لم يصبر عن أن يذكر لنفسه فيه عذرا تصريحا أو تعريضا بأن يتعلَّل بمرض يقتضي فرط العطش ويمنع من الصوم أو يقول أفطرت تطييبا لقلب فلان ثمّ قد لا يذكر ذلك متّصلا بشربه كيلا يظنّ به أن يعتذر رياء ولكنّه يصبر ، ثمّ يذكر عذره في معرض حكاية عرضا مثل أن يقول : إنّ فلانا محبّ للإخوان شديد الرّغبة في أن يأكل الإنسان من طعامه وقد ألحّ عليّ اليوم ولم أجد بدّا من تطييب قلبه ، ومثل أن يقول : إنّ أمّي ضعيفة القلب مشفقة عليّ تظنّ أنّي لو صمت يوما مرضت فلا تدعني أن أصوم ، فهذا وما يجري مجراه علامات الرّياء فلا تسبق إلى اللَّسان إلا لرسوخ عرق الرّياء في الباطن ، وأمّا المخلص فإنّه لا يبالي كيف نظر الخلق إليه فإن لم يكن له رغبة في الصوم وقد علم اللَّه ذلك منه فلا يريد أن يعتقد غيره فيه ما يخالف علم اللَّه فيه فيكون ملبّسا ، وإن كانت له رغبة في الصوم للَّه قنع بعلم اللَّه ولم يشرك فيه غيره ، وقد يخطر له أنّ في إظهاره اقتداء غيره به وتحريك رغبة الناس فيه ، وفيه مكيدة وغرور وسيأتي شرح ذلك وشروطه فهذه درجات الرّياء ومراتب أصناف المرائين ، وجميعهم تحت مقت اللَّه وغضبه وهو من أشدّ المهلكات وإنّ من شدّته أنّ فيه شوائب هي أخفى من دبيب النملة كما ورد به الخبر ( 1 ) ، يزلّ فيه فحول العلماء فضلا عن العبّاد الجهّال بآفات النفوس وغوائل القلوب .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 161
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٦١
هامش
( 1 ) رواه البزار من حديث عائشة والطبراني من حديث أبي موسى وابن حبان في الضعفاء من حديث أبي بكر راجع المغني ومجمع الزوائد ج 10 ص 223 .