لما كان يستبعد تقصير الناس في حقّه ، ومهما لم يكن وجود العبادة كعدمها في كلّ ما يتعلَّق بالخلق لم يكن قد قنع بعلم اللَّه تعالى ، ولم يكن خاليا عن شوب خفيّ من الرّياء أخفى من دبيب النمل وكلّ ذلك يوشك أن يحبط الأجر ولا يسلم منه إلا الصّدّيقون . وقد روي عن عليّ عليه السّلام أنّه قال : « إنّ اللَّه عزّ وجلّ يقول للقرّاء يوم القيامة ( 1 ) : ألم يكن يرخّص عليكم السعر ؟ ألم تكونوا تبتدؤن بالسلام ؟ ألم تكن تقضى لكم الحوائج » . وفي الحديث الآخر - « لا أجر لكم قد استوفيتم أجوركم » . وقال عبد اللَّه بن المبارك : روي عن وهب أنّه قال : إنّ رجلا من السوّاح قال لأصحابه : إنّا إنّما فارقنا الأموال والأولاد مخافة الطغيان فنخاف أن يكون قد دخل علينا في أمرنا هذا من الطغيان أكثر ممّا دخل على أهل الأموال في أموالهم إنّ أحدنا إذا لقي أحبّ أن يعظَّم لمكان دينه ، وإن اشترى شيئا أحبّ أن يرخّص عليه لمكان دينه ، وإن سأل حاجة أحبّ أن تقضى له لمكان دينه . فبلغ ذلك ملكهم فركب في موكبه من الناس فإذا السهل والجبل قد امتلأ بالناس ، فقال السائح : ما هذا قيل : هذا الملك قد أظلَّك ، فقال للغلام : ائتني بطعام فأتاه ببقل وزيت وقلوب الشجر فجعل يحشو شدقه ويأكل أكلا عنيفا ، فقال الملك : أين صاحبكم ، قالوا : هذا قال : كيف أنت ؟ قال : كالناس - وفي حديث آخر - : بخير ، فقال الملك : ما عند هذا من خير ، فانصرف عنه . وقال السّائح : الحمد للَّه الَّذي صرفك عنّي وأنت لي ذامّ . فلم يزل المخلصون خائفين من الرّياء الخفي يجتهدون لذلك في مخادعة الناس عن أعمالهم الصّالحة يحرصون على إخفائها أعظم ممّا يحرص الناس على إخفاء فواحشهم كلّ ذلك رجاء أن تخلص أعمالهم فيجازيهم اللَّه في القيامة بإخلاصهم على ملأ من الخلق إذ علموا أنّ اللَّه لا يقبل في القيامة إلا الخالص وعلموا شدّة حاجتهم وفاقتهم في القيامة وأنّه يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون ، ولا يجزي والد عن ولده ، ويشتغل الصدّيقون بأنفسهم فيقول كلّ واحد : نفسي نفسي ، فضلا عن غيرهم فكانوا كزوار بيت اللَّه إذا توجّهوا إلى مكَّة فإنّهم يستصحبون مع أنفسهم الذّهب المغربي الخالص
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 163
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٦٣
هامش
( 1 ) في بعض النسخ [ للفقراء يوم القيامة ] .