وكلام الحكمة على سبيل الوعظ والتّذكير وإنّما قصده التحبّب إلى امرأة أو غلام لأجل الفجور ، وقد يحضرون في مجالس العلم والتذكير وحلق القرآن يظهرون الرّغبة في سماع العلم والقرآن وغرضهم ملاحظة النّسوان والصّبيان أو يخرج إلى الحجّ ومقصوده الظفر بمن في الرّفقة من غلام أو امرأة وهؤلاء أبغض المرائين إلى اللَّه تعالى لأنّهم جعلوا طاعة ربّهم سلَّما إلى معصيته ، واتّخذوه آلة ومتجرا وبضاعة لهم في فسقهم ، ويقرب من هؤلاء - وإن كان دونهم - من هو مقترف بجريمة اتّهم بها وهو مصرّ عليها ويريد أن ينفي التّهمة عن نفسه فيظهر التقوى لنفي التهمة كالَّذي جحد وديعة واتّهمه الناس بها فيتصدّق بالمال ليقال : إنّه يتصدّق بمال نفسه فكيف يستحلّ مال غيره ، وكذلك من ينسب إلى فجور بامرأة أو غلام فيدفع التهمة عن نفسه بالخشوع وإظهاره التقوى .
الدّرجة الثانية أن يكون غرضه نيل حظَّ مباح من حظوظه الدّنيا من مال أو نكاح امرأة جميلة أو شريفة كالَّذي يظهر الحزن والبكاء ويشتغل بالوعظ والتذكير لتبذل له الأموال وترغب في نكاحه النساء ، فيقصد إمّا امرأة بعينها لينكحها ، أو امرأة شريفة على الجملة ، وكالَّذي يرغب في أن يتزوّج بنت عالم أو عابد فيظهر له العلم والعبادة ليرغب في تزويجه ابنته فهذا رياء محظور لأنّه طلب بطاعة اللَّه متاع الدّنيا ولكنّه دون الأوّل فإنّ المطلوب بهذا مباح في نفسه .
الدّرجة الثالثة أن يقصد نيل حظَّ وإدراك مال أو نكاح ، ولكن يظهر عبادته خيفة من أن ينظر إليه بعين النقص ولا يعدّ من الخاصّة والزّهّاد ويعتقد أنّه من جملة العامّة ، كالَّذي يمشي مستعجلا فيطَّلع عليه الناس فيحسن المشي ويترك العجلة كيلا يقال : إنّه من أهل اللَّهو والسهو لا من أهل الوقار ، وكذلك يسبق إلى الضحك أو يبدر منه المزاح فيخاف أن ينظر إليه بعين الاحتقار فيتبع ذلك بالاستغفار وتنفّس الصّعداء وإظهار الحزن ويقول : ما أعظم غفلة الآدميّ عن نفسه ، واللَّه يعلم منه أنّه لو كان في خلوة لما كان يثقل عليه ذلك ، وإنّما يخاف أن ينظر إليه بعين الاحتقار لا بعين التوقير ، وكالَّذي يرى جماعة يصلَّون النوافل ويتهجّدون أو يصومون التطوّع
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 160
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٦٠