تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
النافلة لو تركها وكأنّه على الشّطر من الأوّل وعقابه نصف عقابه ، فهذا هو الرّياء بأصول العبادات . القسم الثاني الرّياء بأوصاف العبادات لا بأصولها وهي أيضا على ثلاث درجات : الدّرجة الأولى أن يرائي بفعل ما في تركه نقصان العبادة كالَّذي غرضه أن يخفّف الرّكوع والسجود ولا يطول القراءة فإذا رآه الناس أحسن الرّكوع والسّجود وترك الالتفات وتمّم القعود بين السجدتين ، وقد قال ابن مسعود : من فعل ذلك فهو استهانة يستهين بها ربّه . أي أنّه ليس يبالي باطَّلاع اللَّه عليه في الخلوة فإذا اطَّلع آدميّ عليه أحسن الصلاة ، ومن جلس بين يدي إنسان متربّعا أو متّكئا فدخل غلامه فاستوى وأحسن الجلسة كان ذلك تقديما للغلام على السيّد واستهانة بالسيّد لا محالة ، وهذا حال المرائي بتحسين الصلاة في الملأ دون الخلوة ، وكذلك الَّذي يعتاد إخراج الزّكاة من الدّنانير الرّديّة أو من الحبّ الرّديء فإذا اطَّلع عليه غيره أخرجها من الجيّد خوفا من مذمّته ، وكذلك الصائم يصون صومه عن الغيبة والرّفث لأجل الخلق لا إكمالا لعبادة الصّوم خوفا من المذمّة فهذا أيضا من الرّياء المحظور لأنّ فيه تقديما للمخلوق على الخالق ولكنّه دون الرّياء بأصول التطوّعات . فإن قال المرائي : إنّما فعلت ذلك صيانة لألسنتهم عن الغيبة فإنّهم إذا رأوا تخفيف الرّكوع والسجود وكثرة الالتفات أطلقوا اللَّسان بالذّمّ والغيبة فإنّما قصدت صيانتهم عن هذه المعصية فيقال له : هذه مكيدة للشيطان وتلبيس وليس الأمر كذلك فإنّ ضررك من نقصان صلاتك وهي خدمة منك لمولاك أعظم من ضررك من غيبة غيرك ، فلو كان باعثك الدّين لكان شفقتك على نفسك أكثر وما أنت في هذا إلا كمن يهدي وصيفة إلى ملك لينال منه ولاية يتقلَّدها فيهديها إليه وهي عوراء قبيحة مقطوعة الأطراف ولا يبالي به إذا كان الملك وحده وإذا كان عنده بعض غلمانه امتنع خوفا من مذمّة غلامه وذلك محال بل من يراعي جانب غلام الملك ينبغي أن تكون مراقبته للملك أكثر . نعم للمرائي فيه حالتان إحداهما أن يطلب بذلك المنزلة والمحمدة عند الناس ، وذلك حرام قطعا ، والثانية أن يقول : ليس يحضرني الإخلاص في تحسين الرّكوع