الأحكام ميلا إلى أهل الإباحة أو يعتقد كفرا أو بدعة وهو يظهر خلافه فهؤلاء من المنافقين والمرائين المخلَّدين في النّار وليس وراء هذا الرّياء رياء ، وحال هؤلاء هو أشدّ من حال الكفّار المجاهرين لأنّهم جمعوا بين كفر الباطن ونفاق الظاهر .
الدّرجة الثانية الرّياء بأصول العبادات مع التّصديق بأصل الدّين وهذا أيضا عظيم عند اللَّه ولكنّه دون الأوّل بكثير ، ومثاله أن يكون مال الرّجل في يد غيره فيأمره بإخراج الزّكاة خوفا من ذمّة واللَّه يعلم منه أنّه لو كان في يده لما أخرجها أو يدخل وقت الصلاة وهو في جمع فيصلَّي معهم وعادته ترك الصلاة في الخلوة وكذلك يصوم رمضان وهو يشتهي خلوة من الخلق ليفطر وكذلك يحضر الجمعة ولولا خوف المذمّة لكان لا يحضرها ، أو يصل رحمه ويبرّ والديه لا عن رغبة في الثواب ولكن خوفا من الناس ، أو يغزو أو يحجّ كذلك فهذا المرائي معه أصل الإيمان باللَّه يعتقد أنّه لا معبود سواه ولو كلَّف أن يعبد غير اللَّه أو يسجد لغير اللَّه لم يفعل ولكنّه يترك العبادات للكسل وينشط عند اطَّلاع الناس فتكون منزلته عند الخلق أحبّ إليه من منزلته عند الخالق وخوفه من مذمّة النّاس أعظم من خوفه من عقاب اللَّه ورغبته في محمدتهم أشدّ من رغبته في ثواب اللَّه وهذا غاية الجهل ، وما أجدر صاحبه بالمقت وإن كان غير منسلّ عن أصل الإيمان من حيث الاعتقاد .
الدّرجة الثالثة أن لا يرائي بالإيمان ولا بالفرائض ولكنّه يرائي بالنوافل والسنن الَّتي لو تركها لا يعصي ولكنّه يكسل عنها في الخلوة لفتور رغبته في ثوابها ولإيثار لذّة الكسل على ما يرجى من الثواب ، ثمّ يبعثه الرّياء على فعله وذلك كحضور الجماعة في الصّلاة وعيادة المريض واتّباع الجنازة وغسل الميّت وكالتهجد باللَّيل وصيام يوم عرفة ونحو ذلك ، فقد يفعل المرائي جملة ذلك خوفا من المذمّة أو طلبا للمحمدة ، ويعلم اللَّه تعالى أنّه لو خلا بنفسه لما زاد على أداء الفرائض ، فهذا أيضا عظيم ولكنّه دون ما قبله فإنّ الَّذي قبله آثر حمد الخلق على حمد الخالق ، وهذا أيضا قد فعل ذلك واتّقى ذمّ الخلق دون ذمّ الخالق فكأنّ ذمّ الخلق أعظم عنده من عقاب اللَّه تعالى ، وأمّا هذا فلم يفعل ذلك لأنّه لم يخف عقابا على ترك
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 157
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٥٧