ملك من الملوك طول النّهار كما جرت عادة الخدم وإنّما وقوفك لملاحظتك جارية من جواري الملك أو غلاما من غلمانه فإنّ هذا استهزاء بالملك إذا لم تقصد التقرّب إلى الملك بخدمته بل قصدت به عبدا من عبيده فأيّ استحقار يزيد على أن يقصد العبد بطاعة اللَّه مراءاة عبد ضعيف لا يملك له ضرّا ولا نفعا وهل ذلك إلا أنّه ظنّ أنّ ذلك العبد أقدر على تحصيل أغراضه من اللَّه وأنّه أولى بالتقرّب إليه من اللَّه إذ آثره على ملك الملوك فجعله مقصود عبادته وأيّ استهزاء يزيد على رفع العبد فوق المولى ؟ فهذا من كبائر المهلكات ولهذا سمّاه رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم « الشّرك الأصغر » ( 1 ) نعم بعض درجات الرّياء أشدّ من بعض كما سيأتي بيانه في درجات الرّياء ولا يخلو شيء منه عن أثم غليظ أو خفيف بحسب ما به المراءاة ولو لم يكن في الرّياء إلا أنّه يسجد ويركع لغير اللَّه لكان فيه كفاية فإنّه إذا لم يقصد التقرّب إلى اللَّه فقد قصد غير اللَّه ولعمري لو قصد غير اللَّه بالسجود لكفر كفرا جليّا إلا أنّ الرّياء هو الكفر الخفيّ لأنّ المرائي عظم في قلبه النّاس فاقتضت تلك العظمة أن يسجد ويركع لهم فكان الناس هم المعظَّمون بالسجود من وجه ومهما زال قصد تعظيم اللَّه بالسجود وبقي تعظيم الخلق كان ذلك قريبا من الشّرك إلا أنّه قصد تعظيم نفسه في قلب من عظم عنده بإظهاره من نفسه صورة التعظيم للَّه فعن هذا كان شركا خفيّا لا شركا جليّا وذلك غاية الجهل ولا يقدم عليه إلا من خدعه الشّيطان وأوهم عنده أنّ العباد يملكون من نفعه وضرّه ورزقه وأجله ومصالح حاله ومآله أكثر ممّا يملكه اللَّه تعالى فلذلك عدل بوجهه عن اللَّه تعالى إليهم فأقبل بقلبه عليهم يستميل بذلك قلوبهم ، ولو وكله اللَّه إليهم في الدّنيا والآخرة لكان ذلك أقلّ مكافأة له على صنيعه فإنّ العباد كلَّهم عاجزون عن أنفسهم لا يملكون لأنفسهم ضرّا ولا نفعا فكيف لغيرهم ، هذا في الدّنيا فكيف في يوم لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا بل يقول الأنبياء فيه : نفسي نفسي فكيف يستبدل الجاهل عن ثواب الآخرة ونيل القرب عند اللَّه ما يرتقبه بطمعه الكاذب في الدّنيا من النّاس فلا ينبغي أن نشكّ في أنّ المرائي بطاعة اللَّه في
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 154
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٥٤
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في مسنده ج 5 ص 425 من حديث محمود بن لبيد وقد تقدم .