بالخير وإظهار العمل والعلم فوجدت مخلصا من مشقّة المجاهدة إلى لذّة القبول عند الخلق ونظرهم إليه بعين الوقار والتعظيم ، فسارعت إلى إظهار الطاعة وتوصّلت إلى اطَّلاع الخلق ولم تقنع باطَّلاع الخالق وفرحت بحمد الناس ولم تقنع بحمد اللَّه وحده ، وعلمت أنّهم إذا غرفوا تركه الشهوات وتوقّيه الشبهات وتحمله مشاقّ العبادات أطلقوا ألسنتهم بالمدح والثناء ، وبالغوا في التفريط والإطراء ، ونظروا إليه بعين التوقير والاحترام ، وتبرّكوا بمشاهدته ولقائه ، ورغبوا في بركة دعائه ، وحرصوا على اتّباع رأيه ، وفاتحوه بالخدمة والسلام ، وأكرموه في المحافل غاية الإكرام ، وسامحوه في البيع والمعاملات ، وقدّموه في المجالس ، وآثروه بالمطاعم والملابس ، وتصاغروا له متواضعين وانقادوا له في أغراضه موقّرين فأصابت النفس في ذلك لذّة هي أعظم اللَّذّات وشهوة هي أغلب الشهوات فاستحقرت فيه ترك المعاصي والهفوات واستلانت خشونة المواظبة على العبادات لإدراكها في الباطن لذّة اللَّذّات وشهوة الشهوات فهو يظنّ أنّ حياته باللَّه وبعبادته المرضيّة وإنّما حياتها بهذه الشهوة الخفيّة الَّتي تعمى عن دركها العقول النافذة القويّة ويرى أنّه مخلص في طاعة اللَّه ومجتنب لمحارم اللَّه والنفس قد أبطنت هذه الشهوة تزيينا للعباد وتصنّعا للخلق وفرحا بما نالت من المنزلة والوقار وحسن الحال والإقبال ، وأحبطت بذلك ثواب الطاعات وأجور الأعمال وأثبت اسمه في جريدة المنافقين وهو يظنّ أنّه عند اللَّه من المقرّبين ، وهذه مكيدة للنفس لا يسلم منها إلا الصدّيقون ، ومهواة لا يرقى منها إلا المقرّبون ، ولذلك قيل : آخر ما يخرج من رؤس الصدّيقين حبّ الرّئاسة ، وإذا كان الرّياء هو الدّاء الدّفين الَّذي هو أعظم شبكة للشياطين وجب شرح القول في سببه وحقيقته ، ودرجاته وأقسامه وطرق معالجته ، والحذر منه ، ويتّضح الغرض منه في ترتيب الكتاب على شطرين
الشطر الأوّل في حبّ الجاه والشهرة
وفيه بيان ذمّ الشهرة وانتشار الصيت ، وبيان فضيلة الخمول ، وبيان ذمّ الجاه ، وبيان معنى الجاه وحقيقته ، وبيان السبب في كونه محبوبا حبّا أشدّ من حبّ المال ، وبيان أنّ الجاه كمال وهميّ
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 107
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٠٧