تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤

أخاك بشرا لا يأكل من هذا ، فيقول : أخي بشرا قبضه الورع ، وأنا بسطتني المعرفة ، ثمّ قال : إنّما أنا ضيف في دار مولاي إذا أطعمني أكلت وإذا جوّعني صبرت ، مالي وللاعتراض والتمييز . ودفع إبراهيم بن أدهم إلى بعض إخوانه دراهم فقال خذلنا بهذه زبدا وعسلا وخبزا حواريا ، فقال : يا أبا إسحاق بهذا كلَّه ، فقال : ويحك إذا وجدنا أكلنا أكل الرّجال وإذا عدمنا صبرنا صبر الرّجال . وأصلح ذات يوم طعاما كثيرا ودعا نفرا يسيرا ، فقيل له : أما تخاف أن يكون هذا إسرافا ؟ فقال : ليس في الطعام إسراف إنّما الإسراف في الثياب والأثاث . فالبصير بأسرار المعرفة يعلم أنّ كلّ ذلك حقّ ولكن بالإضافة إلى اختلاف الأحوال . * ( بيان آفة الرياء المتطرّق إلى من يترك أكل الشهوات أو يقلل الأكل ) * أعلم أنّه يدخل على تارك الشهوات آفتان عظيمتان ، هما أعظم من أكل الشهوات : إحداهما أن لا تقدر النفس على ترك بعض الشهوات فتشتهيها ولكن لا يريد أن يعرف بأنّه يشتهيها فيخفى الشهوة ويأكل في الخلوة ما لا يأكله في الجماعة وهذا هو الشرك الخفيّ وهذه آفة عظيمة ، بل حقّ العبد إذا ابتلي بالشهوات وحبّها أنّه يظهره فإنّ هذا صدق الحال وهو يدلّ على فوات المجاهدة في الأعمال ، فإنّ إخفاء النقص وإظهار ضدّه من الكمال هما نقصانان متضاعفان والكذب مع الإخفاء كذبان فيكون مستحقّا لمقتين ولا يرضى منه إلا بتوبتين صادقتين ، ولذلك شدّ اللَّه أمر المنافقين فقال : « إنّ المنافقين في الدّرك الأسفل من النّار » ( 1 ) لأنّ الكافر كفر وأظهر وهذا كفر وستر فكان ستره لكفره كفرا آخر لأنّه استخفّ بنظر اللَّه إلى قلبه وعظم أعين المخلوقين فمحا الكفر عن ظاهره وأثبته في باطنه ، فالعارفون يبتلون بالشهوات بل المعاصي ولا يبتلون بالرّياء والغشّ والإخفاء ، بل كمال العارف أن يترك الشهوات للَّه ويظهر من نفسه الشهوة إسقاطا لمنزلته من قلوب الخلق وقد كان بعضهم يشترى

هامش
( 1 ) النساء : 144 .