تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣

لا يتعاطاه هو بنفسه فيأمره بالجوع وهو لا يجوع ويمنعه الفواكه والشهوات وقد لا يمتنع هو منها ، لأنّه قد فرغ عن تأديب نفسه فاستغنى عن التعذيب ، ولمّا كان أغلب أحوال النفس الشره والشهوة والامتناع عن العبادة كان الأصلح لها الجوع الَّذي تحسّ بألمه في أكثر الأحوال لتنكسر ، والمقصود أن تنكسر حتّى تعتدل ، فتردّ بعد ذلك في الغذاء أيضا إلى الاعتدال ، وإنّما يمتنع عن ملازمة الجوع من سالكي طريق الآخرة إمّا صدّيق وإمّا مغرور أحمق ، أمّا الصدّيق فلاستقامة نفسه على الصراط المستقيم واستغنائه عن أن يساق بسياط الجوع إلى الحقّ ، وأمّا المغرور فلظنّه بنفسه أنّه الصدّيق المستغني عن تأديب نفسه ، الظَّان بنفسه خيرا ، وهذا غرور عظيم وهو الغالب ، فإنّ النفس قلَّما تتأدّب تأدّبا كاملا ، وكثيرا ما تغترّ ، فينظر المغرور إلى الصدّيق ومسامحته نفسه في ذلك فيسامح نفسه كالمريض ينظر إلى من قد صحّ من مرضه فيتناول ما يتناوله ويظنّ بنفسه الصحّة حتّى يهلك والَّذي يدلّ على أنّ تقدير الطعام بمقدار يسير ووقت مخصوص ونوع مخصوص ليس مقصودا في نفسه وإنّما هو مجاهدة نفس متنائية عن الحقّ غير بالغة رتبة الكمال ، إنّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم لم يكن له تقدير وتأقيت في طعامه ، قالت عائشة : « كان صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم يصوم حتّى نقول : لا يفطر ، ويفطر حتّى نقول : لا يصوم » ( 1 ) . وكان يدخل على أهله فيقول : « أعندكم من شيء فإن قالوا : نعم أكل وإن قالوا لا ، قال : إنّي إذن أصوم ، وقد كان يقدم إليه الشيء فيقول : أما إنّي كنت أردت الصوم ثمّ يأكل » ( 2 ) . وخرج رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم يوما وقال : « إنّي صائم ، فقالت له عائشة : قد أهدي إلينا حيس ، فقال : كنت أردت الصوم ولكن قرّبيه » ( 3 ) . وقد كان معروف الكرخي يهدى إليه طيّبات الطعام فيأكل فيقال له : إنّ

هامش
( 1 ) أخرجه مسلم ج 3 ص 162 والبخاري ج 3 ص 48 .
( 2 ) أخرجه أبو داود ج 1 ص 571 والترمذي ج 3 ص 270 .
( 3 ) أخرجه مسلم ج 3 ص 159 من حديث عائشة .