الشهوات فيعلَّقها في بيته وهو فيها من الزّاهدين ، ولكن يبتغي به تلبيس حاله ليصرف عن نفسه قلوب الغافلين حتّى لا يشوّشون عليه حاله ، فنهاية الزّهد الزهد في الزّهد بإظهار ضدّه وهذا عمل الصدّيقين ، فإنّه جمع بين صدقين كما أنّ الأوّل جمع بين كذبين ، فهذا قد حمل على النفس ثقلين وجرّعها كأس الصبر مرّتين : مرّة بشربه ومرّة بقذفه ، فلا جرم أولئك يؤتون أجرهم مرّتين بما صبروا وهذه تضاهي طريق من يأخذ ما يعطى جهرا ويردّ سرّا ليكسر نفسه بالذّل جهرا وبالفقر سرّا .
أقول : لا أرى صدقا في تلبيس الحال ولا خيرا في مثل هذه الفعال ، بل أري كذبا بحتا ورياء صرفا ونظرا إلى الناس وإظهارا لما ليس .
قال : فمن فاته هذا فلا ينبغي أن يفوته إظهار شهوته ونقصانه والصدق فيه ولا ينبغي أن يغرّه قول الشيطان : إنّك إذا أظهرت اقتدى بك غيرك فاستره إصلاحا لغيرك لأنّه لو قصد إصلاح غيره لكان إصلاح نفسه أهمّ عليه من غيره فهو إنّما يقصد الرياء المجرّد ويروّجه عليه الشيطان في معرض إصلاح غيره ولذلك يثقل عليه ظهور ذلك منه ، وإن علم أنّ من اطَّلع عليه ليس يقتدي به في الفعل أو لا ينزجر باعتقاده أنّه تارك للشهوات .
الآفة الثانية أن يقدر على ترك الشهوات ولكنّه يفرح أن يعرف به ويشتهر بالتعفّف عن الشهوات فقد خالف شهوة ضعيفة وهي شهوة الأكل وأطاع شهوة هي شرّ منها وهي شهوة الجاه وتلك هي الشهوة الخفيّة ، فمهما أحسّ بذلك من نفسه فكسر هذه الشهوة أهمّ من كسر شهوة الطعام فليأكل وهو أولى به .
قال أبو سليمان : إذا قدمت إليك شهوة وقد كنت تاركا لها فأصب منها شيئا يسيرا ولا تعط نفسك مناها فتكون قد أسقطت عن نفسك الشهوة وتكون قد نغّصت على نفسك إذ لم تعطها شهوتها .
وقال جعفر بن محمّد الصّادق عليهما السّلام : « إذا قدمت إليّ شهوة نظرت إلى نفسي فإن أظهرت شهوتها أطمعتها منها وكان ذلك أفضل من منعها ، وإنّ أخفت شهوتها وأظهرت العزوب عنها عاقبتها بالترك ولم أنلها منها شيئا » وهذا طريق في عقوبة
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 175
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٧٥