تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١

وشهوة ، ومهما وجد طعاما لطيفا وغليظا فليقدم اللَّطيف فإنّه لا يشتهي الغليظ بعده ، ولو قدّم الغليظ لأكل اللَّطيف أيضا للطفه ، وكان بعضهم يقول لأصحابه : لا تأكلوا الشهوات فإن أكلتم فلا تطلبوها فإن طلبتموها . فلا تحبّوها . وطلب بعض أنواع الخبز شهوة . وعلى الجملة لا سبيل إلى إهمال النفس في الشهوات في المباحات واتّباعها بكلّ حال وبقدر ما يستوفي العبد من شهوته يخشى أن يقال له يوم القيامة : « أذهبتم طيّباتكم في حيوتكم الدّنيا واستمتعتم بها » ( 1 ) وبقدر ما يجاهد نفسه ويترك شهوته يتمتّع في الآخرة بشهواته . وقال تعالى : « كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيّام الخالية » ( 2 ) وكانوا قد أسلفوا ترك الشهوات . لا أكلها ولهذا قيل : ترك شهوة من شهوات النفس أنفع للقلب من صيام سنة وقيامها . * ( بيان اختلاف حكم الجوع وفضيلته باختلاف أحوال الناس ) * أعلم أنّ المطلوب الأقصى في جميع الأحوال والأخلاق الوسط إذ خير الأمور أوساطها ، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم وما أوردناه في فضائل الجوع ربّما يومي إلى أنّ الإفراط فيه مطلوب وهيهات ولكن من أسرار حكمة الشريعة أنّ كلّ ما يطلب الطبع فيه الطرف الأقصى وكان فيه فساد جاء الشرع بالمبالغة في المنع منه على وجه يومي عند الجاهل إلى أنّ المطلوب مضادّة ما يقتضيه الطَّبع بغاية الإمكان ، والعالم يدرك أنّ المقصود هو الوسط لأنّ الطبع إذا طلب غاية الشبع فالشرع ينبغي أن يطلب غاية الجوع حتّى يكون الطَّبع باعثا والشرع مانعا فيتقاومان ويحصل الاعتدال : فإنّ من يقدر على قمع الطَّبع بالكليّة بعيد فيعلم أنّه لا ينتهي إلى الغاية فإنّه إن أسرف مسرف في مضادّة الطبع كان في الشّرع أيضا ما يدلّ على إساءته ، كما أنّ الشرع بالغ في الثناء على قيام اللَّيل وصيام النهار ثمّ لما علم النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم

هامش
( 1 ) الأحقاف : 20 .
( 2 ) الحاقة : 24 .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 171 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري