وروي أنّ موسى عليه السّلام كان جالسا في بعض مجالسه إذا أقبل عليه إبليس وعليه برنس يتلوّن فيه ألوان ، فلمّا دنا منه خلع البرنس فوضعه ، ثمّ أتاه فقال :
السّلام عليك فقال موسى : من أنت ؟ قال : أنا إبليس قال : فلا حيّاك اللَّه ما جاء بك ؟ قال : جئتك لأسلَّم عليك لمنزلتك من اللَّه ومكانك منه ، قال : فما الَّذي رأيت عليك ؟ قال : به أختطف قلوب بني آدم ، قال : فما الَّذي إذا صنعه الإنسان استحوذت عليه ؟ قال : إذا أعجب بنفسه واستكثر عمله ونسي ذنوبه ، وأحذّرك ثلاثا : لا تخل بامرأة لا تحلّ لك ، فإنّه ما خلا رجل بامرأة لا تحلّ له إلا كنت صاحبه دون أصحابه حتّى أفتنه بها وأفتنها به ، ولا تعاهد اللَّه عهدا إلا وفيت به ، ولا تخرجنّ صدقة إلا أمضيتها فإنّه ما أخرج رجل صدقة فلم يمضها إلا كنت صاحبه دون أصحابه حتّى أحول بينه وبين الوفاء بها ، ثمّ ولي وهو يقول : يا ويلتا علم موسى ما يحذّر به بني آدم .
وعن سعيد بن المسيّب قال : ما بعث اللَّه نبيّا فيما خلا ، إلا لم ييأس إبليس أن يهلكه بالنساء ولا شيء أخوف عندي منهنّ ، وما بالمدينة بيت أدخله إلا بيتي وبيت ابنتي ، أغتسل فيه يوم الجمعة ثمّ أروح .
وقال بعضهم : إنّ الشيطان قال للمرأة : أنت نصف جندي ، وأنت سهمي الَّذي أرمي به فلا أخطئ وأنت موضع سرّي ، وأنت رسولي في حاجتي .
فنصف جنده الشهوة ، ونصفه الغضب ، وأعظم الشهوة شهوة النساء وهذه الشهوة لها أيضا إفراط وتفريط واعتدال فالإفراط ما يقهر العقل حتّى يصرف همّة الرّجال إلى التمتّع بالنساء والجواري فيحرم عن سلوك طريق الآخرة أو يقهر الدّين حتّى يجرّ إلى اقتحام الفواحش وقد ينتهي إفراطها بطائفة إلى أمرين شنيعين أحدهما أن يتناولوا ما يقوّي شهواتهم ليستكثروا من الوقاع كما قد يتناول بعض الناس أدوية تقوّي المعدة لتعظم شهوتها للطعام وما مثال ذلك إلا كمن ابتلي بسباع ضارية وبهائم عادية فتنام عنه في بعض الأوقات فيحتال لإثارتها وتهييجها ، ثمّ يشتغل بعلاجها وإصلاحها ، فإنّ شهوة الطَّعام والوقاع على التحقيق آلام يريد الإنسان الخلاص منها فيدرك لذّة بسبب الخلاص .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 177
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٧٧