من حال بعضهم أنّه يصوم الدّهر كلَّه ويقوم اللَّيل كلَّه نهى عنه ، فإذا عرفت هذا فاعلم أنّ الأفضل بالإضافة إلى الطبع المعتدل أن يأكل بحيث لا يحسّ بثقل المعدة ولا يحسّ بألم الجوع ، بل ينسى بطنه فلا يؤثّر فيه الجوع أصلا فإنّ مقصود الأكل بقاء الحياة وقوّة العبادة ، وثقل المعدة يمنع من العبادة ، وألم الجوع أيضا يشغل القلب ويمنع منها ، فالمقصود أن يأكل أكلا معتدلا بحيث لا يبقى للأكل فيه أثر ليكون متشبّها بالملائكة ، فإنّهم مقدّسون عن ثقل الطعام وألم الجوع ، وغاية الإنسان الاقتداء بهم ، وإذا لم يكن للإنسان خلاص من الشبع والجوع فأبعد الأحوال عن الطَّرفين الوسط وهو الاعتدال . ومثال طلب الآدميّ البعد عن هذه الأطراف المتقابلة بالرجوع إلى الوسط مثال نملة ألقيت في وسط حلقة محماة على النار ، مطروحة على الأرض ، فإنّ النملة تهرب من حرارة الحلقة وهي محيطة بها لا تقدر على الخروج فلا تزال تهرب حتّى تستقرّ على المركز الَّذي هو الوسط ولو ماتت ماتت على الوسط لأنّ الوسط هو أبعد المواضع عن الحرارة الَّتي في الحلقة المحيطة ، فكذلك الشهوات محيطة بالإنسان إحاطة تلك الحلقة بالنملة والملائكة خارجون عن تلك الحلقة ولا مطمع للإنسان في الخروج وهو يريد أن يتشبّه بالملائكة في الخلاص فأشبه أحواله بهم البعد وأبعد المواضع عن الأطراف الوسط فصار الوسط مطلوبا في جميع هذه الأحوال المتقابلة ، وعنه عبّر بقوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « خير الأمور أوساطها » ( 1 ) وإليه إشارة بقوله تعالى : « كلوا واشربوا ولا تسرفوا » ومهما لم يحسّ الإنسان بجوع ولا شبع تيسّرت له العبادة والفكر وخفّ في نفسه وقوي على العمل مع خفّته ، ولكن هذا بعد اعتدال الطبع أمّا في بداية الأمر إذا كانت النّفس جموحا ، متشوّقة إلى الشهوات ، مائلة إلى الإفراط فالاعتدال لا ينفعها بل لا بدّ من المبالغة في إيلامها بالجوع كما يبالغ في إيلام الدّابة الَّتي ليست مروضة بالجوع والضرب وغيره إلى أن تعتدل ، فإذا ارتاضت واستوت ورجعت إلى الاعتدال ترك تعذيبها وإيلامها ولأجل هذا السرّ يأمر الشيخ مريده بما
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 172
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٧٢
هامش
( 1 ) أخرجه البيهقي في الشعب مرسلا وقد تقدم .