من آفات الشبع فإنّها تجري في أكل الشهوات وتناول اللَّذّات فلا نطول بإعادته ، فلذلك يعظم الثواب في ترك الشهوات من المباحات ويعظم الخطر في تناولها حتّى قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله : « شرار أمّتي الَّذين يأكلون مخّ الحنطة » ( 1 ) وليس هذا بتحريم بل هو مباح على معنى أنّه من أكله مرّة أو مرّتين لم يعص ، ومن داوم عليه فلا يعصي أيضا بتناوله ولكن تتربّى نفسه في التنعّم وتأنس بالدّنيا وتألف اللَّذات ويسعى في طلبها فيجرّه ذلك إلى المعاصي فهم شرار الأمّة لأنّ مخّ الحنطة يقودهم إلى اقتحام أمور تلك الأمور معاص . وقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « شرار أمّتي الَّذين غذّوا بالنعيم ونبتت عليها أجسامهم وإنّما همّتهم ألوان الطعام وأنواع اللَّباس ويتشدّقون في الكلام » [ 1 ] . وأوحى اللَّه تعالى إلى موسى عليه السّلام « اذكر أنّك ساكن القبر فيمنعك ذلك عن كثير من الشهوات » وقد اشتدّ خوف السّلف من تناول لذائذ الأطعمة وتمرين النفس عليها ورأوا أنّ ذلك علامة الشقاوة ورأوا منع اللَّه ذلك عنهم غاية السعادة ، حتّى روي أنّ وهب بن منبّه قال : التقى ملكان في السّماء الرّابعة فقال أحدهما للآخر : من أين ؟ قال : أمرت بسوق حوت من البحر اشتهاه فلان اليهوديّ لعنه اللَّه ، وقال الآخر : أمرت بإهراق زيت اشتهاه فلان العابد . وهذا تنبيه على أنّ تيسير أسباب الشهوات ليس من علامات الخير . وعن النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم « أيّما امرئ اشتهى شهوة فردّ شهوته وآثر بها على نفسه غفر اللَّه له » ( 2 ) .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 169
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٦٩
هامش
( 1 ) لم أجد له أصلا .
( 2 ) أخرجه ابن حبان في كتاب الثواب . وقال المقدسي في تذكرة الموضوعات ص 50 فيه عمرو بن خالد الواسطي كذاب .
[ 1 ] أو رده ابن أبي الدنيا في ذم الغيبة هكذا « شرار أمتي الذي غذوا بالنعيم الذين يأكلون من الطعام ألوانا ويلبسون ألوان الثياب ويتشدقون في الكلام » . ورواه البيهقي في الشعب بسند ضعيف عن فاطمة عليها السلام . وروى الحاكم في المستدرك عن عبد اللَّه بن جعفر مثله بسند صحيح راجع الجامع الصغير باب الشين .