الدّواء انتفع به وإن لم يعرف عين المنفعة وعلَّتها ووجه كونه نافعا ولكنّا نشرح لك ذلك إن أردت أن ترتقى من درجة الايمان إلى درجة العلم قال اللَّه تعالى : « يرفع الله الَّذين آمنوا منكم والَّذين أوتوا العلم درجات » ( 1 ) فنقول : في الجوع عشر فوائد : الأولى صفاء القلب ، وإيقاد القريحة ، وإنفاذ البصيرة ، فإنّ الشبع يورث البلادة ، ويعمي القلب ويكثر البخار في الدّماغ كشبه السكر حتّى يحتوي على معادن الفكر فيثقل القلب بسببه عن الجريان في الأفكار فيحرمه عن سرعة الإدراك بل الصبيّ إذا أكثر الأكل بطل حفظه وفسد ذهنه وصار بطيء الفهم والإدراك ، قال أبو سليمان . عليك بالجوع فإنّه مذلَّة للنفس ، ورقّة للقلب ، ويورث العلم السّماوي . وقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « أحيوا قلوبكم بقلَّة الضحك والشبع ، وطهّروها بالجوع تصفو وترق » ( 2 ) . ويقال : مثل الجوع مثل الرّعد ، والقناعة كالسحاب ، والحكمة كالمطر . وقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « من أجاع بطنه عظمت فكرته وفطن قلبه » . وقال ابن عبّاس : قال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « من شبع ونام قسا قلبه ، ثمّ قال : إنّ لكلّ شيء زكاة وزكاة البدن الجوع » ( 3 ) . وقال الشبلي : ما جعت للَّه يوما إلا رأيت في قلبي بابا مفتوحا من الحكمة والعبرة ما رأيته قطَّ ، وليس يخفى أنّ غاية المقصود من العبادات الفكر الموصل إلى المعرفة والاستبصار بحقائق الحقّ ، والشبع يمنع منه والجوع يفتح بابه ، والمعرفة باب من أبواب الجنّة ، فبالحريّ أن يكون ملازمة الجوع قرعا لباب الجنّة ولهذا قال لقمان لابنه : يا بنيّ إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة ، وخرست الحكمة ، وقعدت
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 154
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٥٤
هامش
( 1 ) المجادلة : 11 .
( 2 ) قال العراقي : لم أجد له أصلا . وكذلك الخبر الآتي .
( 3 ) حديث من شبع ونام أخرج ابن ماجة ذيله من حديث أبي هريرة تحت رقم 1745 هكذا « لكل شئ زكاة وزكاة الجسد الصوم » .