الفائدة الخامسة - وهي من كبار الفوائد - كسر شهوات المعاصي كلَّها والاستيلاء على النفس الأمّارة بالسّوء ، فإنّ منشأ المعاصي كلَّها الشهوات والقوى ومادّة القوى والشهوات لا محالة الأطعمة ، فتقليلها يضعّف كلّ شهوة وقوّة ، وإنّما السّعادة كلَّها في أن يملك الرّجل نفسه والشقاوة كلَّها في أن يملكه نفسه ، وكما أنّك لا تملك الدّابة الجموح إلا بضعف الجوع وتضميرها ( 1 ) فإذا شبعت قويت وشردت وجمحت فكذلك النفس . وقيل لبعضهم : ما بالك مع كبرك لا تتعهّد بدنك وقد أنهدّ ؟ ، فقال : لأنّه سريع المرح ، فاحش الأشر ، فأخاف أن يجمح بي فيورّطني ولئن أحمله على الشدائد أحبّ إليّ من أن يحملني على الفواحش . وقال ذو النون : ما شبعت قطَّ إلا وقد عصيت اللَّه أو هممت بمعصيته . وقالت عائشة : إنّ أوّل بدعة حدثت بعد رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم الشبع ، إنّ القوم لما شبعت بطونهم جمحت بهم نفوسهم إلى الدّنيا . ( 2 ) وهذه ليست فائدة واحدة بل هي خزائن الفوائد ولذلك قيل : الجوع خزانة من خزائن اللَّه تعالى . وأقلّ ما يندفع بالجوع شهوة الفرج وشهوة الكلام فإنّ الجائع لا يتحرّك عليه شهوة فضول الكلام فيتخلَّص به من آفات اللَّسان كالغيبة والفحش والنميمة والكذب وغيرها ، فيمنعه الجوع عن كلّ ذلك وإذا شبع افتقر إلى فاكهة فيتفكَّه لا محالة بأعراض الناس « ولا يكبّ الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم » [ 1 ] وأمّا شهوة الفرج فلا تخفى غائلتها والجوع يكفي شرّها فإذا شبع الرّجل لا يملك فرجه وإن منعه التقوى فلا يملك عينيه والعين تزني كما يزني الفرج فإن ملك عينيه بغطاء التقوى فلا يملك فكره فيخطر له من الأفكار الرديّة وحديث النفس
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 157
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٥٧
هامش
( 1 ) تضمير الخيل هو أن يظاهر عليها بالعلف حتى تسمن ثم لا تعلف إلا قوتا لتخف ( النهاية ) .
( 2 ) راجع الكافي ج 2 ص 115 تحت رقم 14 .
[ 1 ] رواه الكليني في الكافي ج 2 ص 115 و « حصائد ألسنتهم » يعنى ما يقطعون من الكلام الذي لا خير فيه ، واحدتها حصيدة ، تشبيها بما يحصل من الزرع وتشبيها للسان وما يقطعه من القول بحد المنجل الذي يحصد به . ( قاله المؤلف في الوافي ) .