تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
الأرض إلا بالجوع . وقال أبو طالب المكَّي : مثل البطن مثل المزمار وهو العود المجوّف ذو الأوتار إنّما حسن صوته لخفّته ورقّته ولأنّه أجوف غير ممتلئ فكذلك الجوف إذا خلى كان أعذب للتلاوة وأدوم للقيام وأقلّ للمنام . وقال بكر بن عبد اللَّه : ثلاثة يحبّهم اللَّه : رجل قليل الأكل قليل النّوم قليل الرّاحة . وروي أنّ عيسى عليه السّلام مكث يناجي ربّه ستّين صباحا لم يأكل ولم يخطر بباله الأكل فخطر بباله الخبز فانقطع عن المناجاة ، فإذا رغيف موضوع فقعد يبكي لفقد المناجاة ، فإذا شيخ قد أظلَّه فقال له عيسى : يا وليّ اللَّه بارك اللَّه فيك ادع اللَّه تعالى لي فإنّي كنت في حالة فخطر ببالي الخبز فانقطعت عنّي ، فقال الشيخ : اللَّهمّ إن كان الخبز خطر ببالي منذ عرفتك ، فلا تغفر لي ، بل كان إذا حضره شيء أكله من غير فكر وخاطر ، وروي أنّ موسى عليه السّلام لما قرّ به اللَّه نجيّا كان قد ترك الأكل أربعين يوما ، ثلاثين ثمّ عشرا على ما ورد في القرآن وأنّه استاك بعد ثلاثين يوما فزيد عشرة أيّام لأجل ذلك . * ( بيان فوائد الجوع وآفات الشبع ) * لعلَّك تقول : هذا الفضل العظيم للجوع من أين هو وما سببه ؟ وليس فيه إلا إيلام المعدة ومقاساة الأذى فإن كان كذلك فينبغي أن يعظم الفضل في كلّ ما يتأذّى به الإنسان من ضربه نفسه وقطعه لحمه وتناوله الأشياء الكريهة وما يجري مجراها . فاعلم أنّ هذا يضاهي قول من شرب دواء فانتفع به فظنّ أن منفعته لمرارة الدّواء وكراهيته فأخذ يتناول كلّ ما هو مكروه مرّ المذاق وهو غلط منه بل نفعه في خاصّيته في الدّواء وليس لكونه مرّا وإنّما يقف على تلك الخاصيّة الأطبّاء فكذلك لا يقف على علَّة نفع الجوع إلا سماسرة العلماء ، ومن أجاع نفسه مصدّقا لما جاء في الشرع من مدح الجوع انتفع به وإن لم يعرف علَّة المنفعة كما أنّ من شرب