تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦

أن يكون دائما مشاهدا نفسه بعين الذّلّ والعجز ومولاه بعين العزّ والقدرة والقهر فليكن دائما جائعا ذليلا مضطرّا إلى مولاه ، مشاهد للاضطرار بالذوق ، ولذلك لما عرض على رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم الدّنيا وخزائنها فقال : « لا بل أجوع يوما وأشبع يوما فإذا جعت صبرت وتضرّعت وإذا شبعت شكرت ( 1 ) » أو كما قال . والبطن والفرج باب من أبواب النار وأصله الشبع ، والذّلّ والانكسار باب من أبواب الجنّة وأصله الجوع ومن أغلق بابا من أبواب النار فقد فتح له باب من أبواب الجنّة بالضرورة لانّهما متقابلان كالمشرق والمغرب فالقرب من أحدهما بعد من الآخر . [ 1 ] الفائدة الرابعة أن لا ينسى بلاء اللَّه وعذابه ولا ينسى أهل البلاء ، فإنّ الشبعان ينسى الجائعين وينسى الجوع ، والعبد الفطن لا يشاهد بلاء إلا ويتذكَّر بلاء الآخرة فيتذكَّر من عطشه عطش الخلق في عرصات القيامة ، ومن جوعه جوع أهل النّار حين يجوعون فيطعمون الزقّوم والضريع ويسقون الغسّاق والمهل ، ولا ينبغي أن يغيب عن العبد عذاب الآخرة وآلامها فإنّه هو الَّذي يهيّج الخوف ومن لم يكن في قلَّة ولا علَّة ولا ذلَّة ولا بلاء نسي عذاب الآخرة ولم يتمثّل في نفسه ولم يغلب على قلبه ، فينبغي أن يكون العبد في مقاساة بلاء أو مشاهدة بلاء ، وأولى ما يقاسيه من البلاء بلاء الجوع فإنّ فيه فوائد جمّة سوى تذكَّر عذاب الآخرة ، وهذا أحد الأسباب الَّتي اقتضى اختصاص البلاء بالأنبياء والأولياء والأمثل فالأمثل ، ولذلك لمّا قيل ليوسف عليه السّلام : لم تجوع وفي يديك خزائن الأرض ؟ فقال : أخاف أن أشبع فأنسى الجائع . فذكر الجائعين والمحتاجين إحدى فوائد الجوع فإنّ ذلك يدعوه إلى الرّحمة والإطعام والشفقة على خلق اللَّه والشبعان في غفلة من ألم الجائع .

هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي وقد تقدم .
[ 1 ] كما قال أمير المؤمنين عليه السّلام « الدنيا والآخرة عدوان متعاديان وسبيلان مختلفان ، من أحب الدنيا ووالاها أبغض الآخرة وعاداها مثلهما مثل المشرق والمغرب والماشي بينهما لا يزداد من أحدهما قربا إلا ازداد من الآخر بعدا » . رواه ابن شعبة في التحف ص 212 .