تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥

الأعضاء عن العبادة . وقال أبو يزيد : الجوع سحاب فإذا جاع العبد أمطر القلب الحكمة . وقال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « نور الحكمة الجوع ، والبعد من اللَّه الشبع ، والقربة إلى اللَّه حبّ المساكين والدّنوّ منهم . لا تشبعوا فينطفي نور المعرفة من قلوبكم ومن بات يصلَّي في خفّة من الطعام باتت الحور العين حتى يصبح » ( 1 ) . الفائدة الثانية رقّة القلب وصفاؤه الَّذي به يتهيّأ لإدراك لذّة المناجاة والتأثّر بالذّكر فكم من ذكر يجري على اللَّسان مع حضور القلب ولكن القلب لا يلتذّ به ولا يتأثّر عنه حتى كأنّ بينه وبينه حجابا من قساوة القلب ، وقد يرقّ في بعض الأحوال فيعظم تأثره بالذكر وتلذّذه بالمناجاة ، وخلوّ المعدة هو السبب الأظهر فيه ، قال أبو سليمان : أحلى ما تكون إليّ العبادة إذا لصق بطني بظهري . وقال الجنيد : يجعل أحدهم بينه وبين اللَّه مخلاة من الطعام ويريد أن يجد حلاوة المناجاة . وقال أبو سليمان : القلب إذا جاع وعطش صفى ورقّ ، فإذا شبع وروى عمي وغلظ ، فإذا تأثّر القلب بلذّة المناجاة أمر وراء تيسير الفكر واقتناص المعرفة ، فهذه فائدة ثانية . الفائدة الثالثة الانكسار والذّل وزوال البطر والفرح والأشر الَّذي هو مبدء الطغيان والغفلة عن اللَّه ، ولا تنكسر النفس ولا تذلّ بشيء كما تذلّ بالجوع فعنده تستكين لربّها وتخشع له وتقف على عجزها وذلَّها إذ ضعفت منّتها ( 2 ) وضاقت حيلتها بلقيمة طعام فاتتها ، وأظلمت عليها الدّنيا بشربة ماء تأخّرت عنها ، وما لم يشاهد الإنسان ذلّ نفسه وعجزه لا يرى عزّة مولاه ولا قهره ، وإنّما سعادته في

هامش
( 1 ) ذكره أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي هريرة وكتب عليه انه مسند وهي علامة ما رواه باسناده ( المغني ) . « أقول : أورده الطبرسي في المكارم ص 171 من كتاب روضة الواعظين للفتال .
( 2 ) المنة - بضم الميم - القوة .