فإن قلت : فلم ترك عيسى عليه السّلام النكاح مع فضله ؟ وإن كان الأفضل التخلَّي لعبادة اللَّه تعالى فلم استكثر النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم من الأزواج ؟ فاعلم أنّ الأفضل الجمع بينهما في حقّ من قدر وقويت منّته [ 1 ] وعلت همّته فلا يشغله عن اللَّه شاغل ، فرسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أخذ بالقوّة وجمع بين فضل العبادة والنكاح ، فلقد كان مع تسع من النسوة متخلَّيا لعبادة اللَّه تعالى ، وكان قضاء الوطر من النكاح في حقّه غير مانع كما لا يكون قضاء الحاجة في حقّ المشغولين بتدبيرات الدنيا مانعا لهم عن التدبير حتّى يشتغلوا في الظاهر بقضاء الحاجة وقلوبهم مستغرقة بهممهم ، غير غافلة عن مهمّاتهم ، فكان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم لعلوّ درجته لا يمنعه أمر هذا العالم عن حضور القلب مع اللَّه تعالى ، وكان ينزل عليه الوحي وهو في فراش امرأته ومتى يسلم هذا المنصب لغيره ؟ وكما لا ينبغي أن يعتبر بالسواقي البحر الخضمّ [ 2 ] ، فلا ينبغي أن يقاس عليه غيره ، وأمّا عيسى عليه السّلام فإنّه أخذ بالحزم لا بالقوّة واحتاط لنفسه ولعلّ حاله كانت حالة تؤثّر فيها الاشتغال بالأهل أو يتعذّر معها طلب الحلال أو لا يتيسّر فيها الجمع بين النكاح والتخلَّي للعبادة فآثر التخلَّي للعبادة ، وهم أعلم بأسرار أعمالهم وأحكام أعصارهم في طيب المكاسب وأخلاق النساء ، وما على الناكح من غوائل النكاح وما له فيه ، ومهما كانت الأحوال منقسمة حتّى يكون النكاح في بعضها أفضل وتركه في بعضها أفضل فحقّنا أن ننزّل أفعال الأنبياء عليهم السّلام على الأفضل في كلّ حال .
* ( الباب الثّاني ) *
( في ما يراعى حالة العقد من أحوال المرأة وشروط العقد )
أمّا العقد وأركانه وشروطه لينعقد ويفيد الحلّ فأربعة :
أقول : بل ثلاثة لأنّ حضور الشاهدين ليس بشرط عندنا وإن استحبّ ،
هامش
[ 1 ] المنة - بضم الميم وشد النون - : القوة .
[ 2 ] السواقي : الجداول الصغيرة ، والخضم - بكسر الخاء وفتح الضاد وشد الميم - البحر العظيم .