تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣

يرزقني ولدا ويقبضه فيكون لي مقدّمة في الآخرة ، ثمّ قال : رأيت في المنام كأنّ القيامة قد قامت وكأنّي في جملة الخلائق في الموقف وبي من العطش ما كاد أن يقطع عنقي وكذا الخلائق في شدّة العطش والكرب ، فنحن كذلك إذا ولدان يتخلَّلون الجمع ، عليهم مناديل من نور وبأيديهم أباريق من فضّة وأكواب من ذهب وهم يسقون الواحد بعد الواحد ، يتخلَّلون الجمع ويجاوزون أكثر الناس فمددت يدي إلى أحدهم وقلت : اسقني فقد أجهدني العطش فقال : ليس لك فينا ولد إنّما نسقي آباءنا ، فقلت : وما أنتم ؟ قالوا : نحن من مات من أطفال المسلمين . وأحد المعاني المذكورة في قوله تعالى : « فأتوا حرثكم أنّى شئتم وقدّموا لأنفسكم ( 1 ) » تقديم الأطفال إلى الآخرة ، فقد ظهر بهذه الوجوه الأربعة أنّ أكثر فضل النكاح لأجل كونه سبب الولد . الفائدة الثانية التحصّن من الشيطان وكسر التوقان ودفع غوائل الشهوة وغضّ البصر وحفظ الفرج ، وإليه الإشارة بقوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « من تزوّج فقد أحرز نصف دينه فليتّق اللَّه في النصف الآخر ( 2 ) » . وإليه الإشارة بقوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « عليكم بالباءة فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإنّ الصوم له وجاء » ( 3 ) وأكثر ما نقلناه من الآثار والأخبار إشارة إلى هذا المعنى وهذا المعنى دون الأوّل لأنّ الشهوة موكَّل متقاضي لتحصيل الولد ، فالنكاح كاف لشغله ودافع لحيله وصارف لشرّ سطوته وليس من يجيب مولاه رغبة في تحصيل رضاه كمن يجيبه لطلب الخلاص عن غائلة التوكيل ، فالشهوة والولد مقدوران وبينهما ارتباط وليس يجوز أن يقال : المقصود اللَّذّة ، والولد لازم منها كما يلزم قضاء الحاجة من الأكل وليس مقصودا في ذاته بل الولد هو المقصود بالفطرة والحكمة ، والشهوة باعثة عليه ، لعمري في الشهوة حكمة أخرى سوى الإرهاق إلى الإيلاد وهو ما في قضائها من اللَّذّة الَّتي لا توازيها لذّة لو دامت فهي منبّهة على

هامش
( 1 ) البقرة : 223 .
( 2 ) تقدم ص 55 .
( 3 ) أخرجه مسلم ج 4 ص 128 والبخاري ج 7 ص 3 والنسائي ج 6 ص 57 والبغوي في المصابيح ج 2 ص 24 كلهم من حديث ابن مسعود .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 63 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري