تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤

اللَّذات الموعودة في الجنان إذا الترغيب في لذّة لم يجدلها ذواق لا ينفع فلو رغَّبت العنّين في لذّة الجماع أو الصبيّ في لذّة الملك والسلطنة لم ينفع الترغيب فإحدى فوائد لذّات الدّنيا الرّغبة في دوامها في الجنّة ليكون باعثا على عبادة اللَّه فانظر إلى الحكمة ثمّ إلى الرحمة ثمّ إلى التعبية الإلهيّة كيف عبّيت تحت شهوة واحدة حياتان حياة ظاهرة وحياة باطنة فالحياة الظاهرة حياة المرء ببقاء نسله فإنّه نوع من دوام الوجود ، والحياة الباطنة هي الحياة الأخرويّة فانّ هذه اللَّذّة الناقصة بسرعة الانصرام تحرّك الرّغبة في اللَّذّة الكاملة بلذّة الدّوام فتستحثّ على العبادة الموصلة إليها فيستفيد العبد بشدّة الرّغبة فيها تيسير المواظبة على ما يوصله إلى نعيم الجنان ، وما من ذرّة من ذرّات بدن الإنسان ظاهرا وباطنا بل من ذرّات ملكوت السماوات والأرضين إلا وتحتها من لطائف الحكم وعجائبها ما تحار العقول فيه ولكن إنّما ينكشف للقلوب الطاهرة بقدر صفائها وبقدر رغبتها عن زهرة الدّنيا وغرورها وإغوائها والنكاح بسبب دفع غائلة الشهوة مهمّ في الدّين لكلّ من لا يؤتى عن عجز وعنّة وهم غالب الخلق فإنّ الشهوة إن غلبت ولم يقاومها قوّة التقوى جرت إلى اقتحام الفواحش ، وإليه أشار بقوله تعالى : « إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ( 1 ) » وإن كان ملجما بلجام التقوى فغايته أن يكفّ الجوارح عن إجابة الشهوة فيغضّ البصر ويحفظ الفرج ، فأمّا حفظ القلب عن الوساوس والفكر فلا يدخل تحت اختياره بل لا يزال النفس تجاذبه وتحدّثه بأمور الوقاع ولا يفتر عنه الشيطان الموسوس إليه في أكثر الأوقات ، وقد يعترض له ذلك في أثناء الصلاة حتّى يجري على خاطره من أمور الوقاع ما لو صرّح به بين يدي أخسّ الخلق لا تسحيي منه ، واللَّه مطَّلع على قلبه ، والقلب في حقّ اللَّه كاللَّسان في حقّ الخلق ورأس الأمر للمريد في سلوك طريق الآخرة قلبه ، والمواظبة على الصوم لا تقطع مادّة الوسوسة في حقّ أكثر الخلق إلا أن يضاف إليه ضعف في البدن وفساد في المزاج ولذلك قال ابن عبّاس : لا يتمّ نسك الناسك إلا بالنكاح . وهذه محنة عامّة قلّ من يتخلَّص منها . قال :

هامش
( 1 ) الأنفال : 73 .