تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
وبيانه أنّ السيّد إذا سلَّم إلى عبده البذر وآلة الحرث وهيّأ له أرضا مهيّأة للحراثة وكان العبد قادرا على الحراثة ووكَّل به من يتقاضاه عليها ، فإن تكاسل وعطَّل آلة الحرث وترك البذر ضائعا حتّى فسد ودفع الموكَّل عن نفسه بنوع من الحيلة كان مستحقّا للمقت والعقاب من سيّده واللَّه سبحانه وتعالى خلق الزوجين الذكر والأنثى » وخلق النطفة في الفقار وهيّأ لها في الإنسان عروقا ومجاري ، وخلق الرحم قرارا ومستودعا للنطفة وسلَّط متقاضي الشهوة على كلّ واحد من الذكر والأنثى فهذه الأفعال والآلة تشهد بلسان ذلق في الإعراب عن مراد خالقها وينادي أرباب الألباب بتعريف ما أعدت له ، هذا إن لم يصرّح به الخالق على لسان رسوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بالمراد حيث قال : « تناكحوا تكثروا » فكيف وقد صرّح بالأمر وباح بالسرّ فكلّ ممتنع عن النكاح معرض عن الحراثة مضيّع للبذر ومعطَّل لما خلق اللَّه من الآلة المعدّة غير جار على مقصود الفطرة والحكمة المفهومة من شواهد الخلقة المكتوبة على هذه الأعضاء بخطَّ إلهيّ ليس برقم حروف وأصوات ، يقرؤه كلّ من له بصيرة ربّانيّة نافذة في إدراك دقائق الحكمة الأزليّة ولذلك عظَّم الشرع الأمر في قتل الأولاد وفي الوأد [ 1 ] لأنّه منع لتمام الوجود وإليه أشار من قال : العزل أحد الوأدين ، فالناكح ساع في إتمام ما أحبّ اللَّه تمامه والمعرض معطَّل مضيّع لما كره اللَّه ضياعه ولأجل محبّة اللَّه لبقاء النفوس أمر بالإطعام وحثّ عليه وعبّر عنه بعبارة القرض فقال : « من ذا الَّذي يقرض اللَّه قرضا حسنا » فإن قلت : قولك إنّ بقاء النفس والنسل محبوب يوهم أنّ فناءها مكروه عند اللَّه وهو فرق بين الموت والحياة بالإضافة إلى إرادة اللَّه ومعلوم أنّ الكلّ بمشيّة اللَّه وأنّ اللَّه غنيّ عن العالمين فمن أين يتميّز عنده موتهم عن حياتهم وبقاؤهم عن فنائهم . فاعلم أنّ هذه كلمة حقّ أريد بها باطل فإنّ ما ذكرناه لا ينافي إضافة الكائنات كلَّها إلى إرادة اللَّه خيرها وشرها ، نفعها وضررها ولكنّ المحبّة والكراهة يتضادّان وكلاهما لا يضادّ ان الإرادة فربّ مراد مكروه وربّ مراد محبوب فالمعاصي مكروهة
هامش
[ 1 ] الوأد : الدفن في التراب .